قال : بان واللّه عنادك ، لا يخلو هذا من أن يكون كما دعا النبيّ صلّى اللّه عليه وآله ، أو يكون مردودا ، أو عرف اللّه الفاضل من خلقه ، وكان المفضول أحبّ إليه ، أو تزعم أنّ اللّه لم يعرف الفاضل من المفضول ، فأيّ الثلاث أحبّ إليك أن تقول به ؟
قال أبو إسحاق « 1 » : فأطرقت ساعة ، ثمّ قلت : يا أمير المؤمنين ، إنّ اللّه عزّ وجلّ يقول في أبي بكر
« ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا »
« 2 » .
فنسبه اللّه تعالى إلى صحبة نبيّه صلّى اللّه عليه وآله . فقال [ المأمون ] :
سبحان اللّه ، ما أقلّ علمكم باللغة والكتاب ، أما يكون الكافر صاحبا للمؤمن ؟
فأيّ فضيلة في هذه ؟ أما سمعت اللّه تعالى يقول :
« قالَ لَهُ صاحِبُهُ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَ كَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا »
« 3 » فقد جعله له صاحبا .
وقال الهذليّ :
ولقد غدوت وصاحبي وحشيّة * تحت الرداء بصيرة بالمشرق
وقال الأزديّ :
ولقد دعوت « 4 » الوحش فيه وصاحبي * محض القوائم من هجان هيكل
فصيّر فرسه صاحبه .
وأمّا قوله : « إنّ اللّه معنا » فإنّ اللّه تعالى مع البرّ والفاجر ، أما سمعت قوله تعالى :
« ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا »
« 5 » .
وأمّا قوله : « لا تحزن » فخبّرني عن حزن أبي بكر ، أكان طاعة أو معصية ؟
فإن زعمت أنّه كان طاعة ، فقد جعلت النبيّ صلّى اللّه عليه وآله ينهى عن الطاعة ، وهذا خلاف صفة الحكيم ، وإن زعمت أنّه معصية ، فأيّ فضيلة للعاصي .
هامش
( 1 ) - « إسحاق » ب ، ع ، م ، وكذا في المواضع الآتية راجع ترجمته في بداية الحديث .
( 2 ) - التوبة : 40 .
( 3 ) - الكهف : 37 .
( 4 ) - « ذعرت » م .
( 5 ) - المجادلة : 7 .