قال : فأنشدني أحسن ما رويته في كتمان السرّ .
فقال : عليه السلام :
وإنّي لأنسى السرّ كيلا أذيعه * فيا من رأى « 1 » سرّا يصان بأن ينسى
مخافة « 2 » أن يجري ببالي ذكره * فينبذه قلبي إلى ملتوى حشا « 3 »
فيوشك من لم يفش سرّا وجال في * خواطره أن لا يطيق له حبسا
فقال له المأمون : إذا أمرت أن تترّب الكتاب كيف تقول ؟ قال : ترّب .
قال : فمن السحا ؟ قال سحّ « 4 » . قال : فمن الطين ؟ قال : طيّن .
فقال : يا غلام ترّب هذا الكتاب ، وسحّه ، وطيّنه ، وامض به إلى الفضل بن سهل ، وخذ لأبي الحسن عليه السلام ثلاثمائة ألف درهم .
وقال الصدوق - رحمه اللّه - بعد إيراد هذا الخبر : كان سبيل ما يقبله الرضا عليه السلام من المأمون سبيل ما كان يقبله النبيّ صلّى اللّه عليه وآله من الملوك ، وسبيل ما كان يقبله الحسن بن عليّ عليهما السلام من معاوية ، وسبيل ما كان يقبله الأئمّة عليهم السلام من آبائه من الخلفاء ، ومن كانت الدنيا كلّها له ، فغلب عليها ، ثمّ أعطي بعضها فجائز له أن يأخذه . « 5 »
هامش
( 1 ) - « قوله : فيا من رأى كلام على التعجّب ، أي : من رأى سرّا يكون صيانته بنسيانه ، والحال أنّ النسيان ظاهرا ينافي الصيانة » منه ره .
( 2 ) - « مخافة ، متعلّق بالمصرع الأوّل » منه ره .
( 3 ) - « قوله : إلى ملتوى حشا ، أي من يكون لوي وزحير في أحشائه . وفي بعض النسخ حسّا - بكسر الحاء المهملة وتشديد السين المهملة - وهو وجع يأخذ النفساء بعد الولادة وعلى التقديرين كناية عن عدم الصبر على ضبط السرّ ، ومنازعة النفس إلى إفشائه » منه ره .
( 4 ) - « قال الجوهريّ : سحاة كلّ شيء : قشره ، وسحاء الكتاب مكسور ممدود ، وسحّوت القرطاس وسحّيته أسحاه : إذا قشّرته ، وسحّوت الكتاب وسحّيته : إذا شددته بالسحاء » منه ره .
( 5 ) - 2 / 174 ح 1 ، عنه الوسائل : 5 / 84 ح 6 ، وج 12 / 133 ح 2 ، والبحار : 49 / 107 ح 2 ، وج 71 / 420 ح 54 . أورده مرسلا في العدد القويّة : 293 ح 21 إلى قوله عليه السلام : « بعض فتياننا » ، عنه البحار : 78 / 352 . تأتي قطعة منه في ص 210 ح 2 .