ثمّ قال عليه السّلام : إنّ أكثر الأطبّاء قالوا : إنّ علم الطبّ لم يعرفه الأنبياء ، فما نصنع على قياس قولهم بعلم زعموا ليس تعرفه الأنبياء الّذين كانوا حجج اللّه على خلقه ، وامناءه في أرضه ، وخزّان علمه ، وورثة حكمته ، والأدلّاء عليه ، والدعاة إلى طاعته ؟
ثمّ إنّي وجدت أكثرهم يتنكّب في مذهبه سبل الأنبياء ، ويكذّب الكتب المنزلة عليهم من اللّه تبارك وتعالى ، فهذا الّذي أزهدني في طلبه وحامليه .
قال : فكيف تزهد في قوم وأنت مؤدّبهم وكبيرهم ؟
قال : إنّي رأيت الرجل الماهر في طبّه إذا سألته لم يقف على حدود نفسه ، وتأليف بدنه ، وتركيب أعضائه ، ومجرى الأغذية في جوارحه ، ومخرج نفسه ، وحركة لسانه ، ومستقرّ كلامه ، ونور بصره ، وانتشار ذكره ، واختلاف شهواته ، وانسكاب عبراته ، ومجمع سمعه ، وموضع عقله ، ومسكن روحه ، ومخرج عطسته ، وهيج غمومه ، وأسباب سروره ، وعلّة ما حدث فيه من بكم وصمم وغير ذلك ، لم يكن عندهم في ذلك أكثر من أقاويل استحسنوها ، وعلل فيما بينهم جوّزوها .
قال : فأخبرني عن اللّه عزّ وجلّ ، أله شريك في ملكه ، أو مضادّ له في تدبيره ؟ قال : لا .
قال : فما هذا الفساد الموجود في هذا العالم من سباع ضارية ، وهو أمّ مخوفة ، وخلق كثير مشوّهة ، ودود ، وبعوض وحيّات وعقارب ؛
وزعمت أنّه لا يخلق شيئا إلّا لعلّة لأنّه لا يعبث ؟ قال :
ألست تزعم أنّ العقارب تنفع من وجع المثانة والحصاة ، ولمن يبول في الفراش ، وأنّ أفضل الترياق ما عولج من لحوم الأفاعي ، وأنّ لحومها إذا أكلها المجذوم بشبّ « 1 »
نفعه ، وتزعم أنّ الدود الأحمر الّذي يصاب تحت الأرض نافع للآكلة ؟ قال : نعم .
قال عليه السّلام : فأمّا البعوض والبقّ ، فبعض سببه أنّه جعل أرزاق الطير ، وأهان بها جبّارا تمرّد على اللّه ، وتجبّر وأنكر ربوبيّته ، فسلّط اللّه عليه أضعف خلقه ليريه قدرته وعظمته ؛
وهي البعوض ، فدخلت في منخره حتّى وصلت إلى دماغه فقتلته .
واعلم أنّا لو وقفنا على كلّ شيء خلقه اللّه ، لم خلقه ؟ ولأيّ شيء أنشأه ؟
هامش
( 1 ) الشب : ملح معدني قابض ، لونه أبيض ، ومنه أزرق .