فقال : يا أبا حنيفة ! أخبرني عن قول اللّه عزّ وجلّ :
وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً
« 1 »
أين ذلك من الأرض ؟ قال : الكعبة . قال : أفتعلم أنّ الحجّاج بن يوسف حين وضع المنجنيق على ابن الزبير في الكعبة فقتله كان آمنا ؟ قال : فسكت .
ثمّ قال له : يا أبا حنيفة ! إذا ورد عليك شيء ليس في كتاب اللّه ، ولم تأت به الآثار والسنّة ، كيف تصنع ؟ فقال ! أصلحك اللّه : أقيس ، وأعمل فيه برأيي .
قال : يا أبا حنيفة ! إنّ أوّل من قاس إبليس الملعون ، قاس على ربّنا تبارك وتعالى ، فقال :
أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ *
« 2 » . فسكت أبو حنيفة .
فقال : يا أبا حنيفة ! أيّما أرجس ، البول أو الجنابة ؟ فقال : البول .
فقال : فما بال الناس يغتسلون من الجنابة ، ولا يغتسلون من البول ؟ فسكت .
فقال : يا أبا حنيفة ! أيّما أفضل الصلاة أم الصوم ؟ قال : الصلاة .
فقال : فما بال الحائض تقضي صومها ، ولا تقضي صلاتها ؟ فسكت .
فقال : يا أبا حنيفة ! أخبرني عن رجل كانت له أمّ ولد ، وله منها ابنة ، وكانت له حرّة لا تلد ، فزارت الصبيّة بنت أمّ الولد أباها ، فقام الرجل بعد فراغه من صلاة الفجر ، فواقع أهله الّتي لا تلد وخرج إلى الحمّام ، فأرادت الحرّة أن تكيد أمّ الولد وابنتها عند الرجل ، فقامت إليها بحرارة ذلك الماء ، فوقعت عليها وهي نائمة ، فعالجتها كما يعالج الرجل المرأة ، فعلقت ؛
أيّ شيء عندك فيها ؟ قال : لا واللّه ما عندي فيها شيء .
فقال : يا أبا حنيفة ! أخبرني عن رجل كانت له جارية ، فزوّجها من مملوك له وغاب المملوك ، فولد له من أهله مولود ، وولد للمملوك مولود من أمّ ولد له ، فسقط البيت على الجاريتين ومات المولى ، من الوارث ؟ فقال : جعلت فداك : لا واللّه ما عندي فيها شيء .
ثمّ قال أبو حنيفة : أصلحك اللّه إنّ عندنا قوما بالكوفة يزعمون أنّك تأمرهم بالبراءة من فلان وفلان [ وفلان ] . فقال : ويلك يا أبا حنيفة ! لم يكن هذا ، معاذ اللّه .
فقال : أصلحك اللّه ، إنّهم يعظّمون الأمر فيهما .
قال : فما تأمرني ؟ قال : تكتب إليهم . قال : بما ذا ؟ قال : تسألهم الكفّ عنهما .
هامش
( 1 ) آل عمران : 97 .
( 2 ) الأعراف : 12 .