فقال : يا محمد بن علي لا يزال الرجل منكم قد شقّ عصا المسلمين « 1 » ، ودعى إلى نفسه ، وزعم أنّه الإمام سفها وقلّة علم . وجعل يوبّخه ، فلمّا سكت ، أقبل القوم عليه ، رجل بعد رجل ، يوبّخه ، فلمّا سكت القوم ، نهض قائما ، ثمّ قال :
أيّها الناس ، أين تذهبون ، وأين يراد بكم ، بنا هدى اللّه أوّلكم ، وبنا يختم آخركم ، فإن يكن لكم ملك معجّل ، فإنّ لنا ملكا مؤجّلا ، وليس [ من ] بعد ملكنا ملك ، لأنّا أهل العاقبة ، يقول اللّه عزّ وجلّ :
وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ *
« 2 » .
هامش
( 1 ) - « شقّ العصا : كناية عن تفريق الجماعة . قال الفيروزآبادي : العصا : اللسان ، وعظم الساق ، وجماعة الإسلام ، وشقّ العصا : مخالفة جماعة الإسلام ، انتهى .
أقول : يحتمل أن تكون الإضافة بيانية ، بأن شبّه المسلمين بعصا ، يقوم به الإسلام ، وتفريقهم بمنزلة شق عصا الإسلام ، أو لاميّة بأن شبّه اجتماعهم بعصا يقومون به لأنّه بسبب قيامهم وبقائهم ، أو المراد بعصا المسلمين تأديبهم وضربهم وزجرهم عن المناهي ، فمن فرّق جماعتهم فقد شقّ عصاهم ، أي منعهم عن ذلك ، أو أنّهم يشقّون ويكسرون العصا في تأديب هذا الّذي يريد تفريق جماعتهم . قال الجزري [ في النهاية : 3 / 250 ] : فيه : لا ترفع عصاك عن أهلك : أي لا تدع تأديبهم وجمعهم على طاعة اللّه . يقال شقّ العصا : أي فارق الجماعة ، ولم يرد الضّرب بالعصا ، ولكنّه جعله مثلا . وقيل : أراد لا تغفل عن أدبهم ومنعهم من الفساد .
ومنه الحديث : إنّ الخوارج شقّوا عصا المسلمين وفرّقوا جماعتهم . ومنه الحديث : إياك وقتيل العصا : أي إياك أن تكون قاتلا أو مقتولا في شقّ عصا المسلمين ، انتهى .
وربّما يؤيّد ما ذكره [ من ] المعنيين الأخيرين .
وقال الميداني في مجمع الأمثال [ 1 / 364 ] : شقّ فلان عصا المسلمين : إذا فرّق جمعهم .
قال أبو عبيد : معناه فرّق جماعتهم ، قال : والأصل في العصا الاجتماع والائتلاف وذلك أنّها لا تدعى عصا حتّى تكون جميعا ، فإذا انشقّت لم تدع عصا ، ومن ذلك قولهم للرجل إذا قام بالمكان واطمأنّ به ، واجتمع له فيه أمره : قد ألقى عصاه .
قال البارقي : فألقت عصاها واستقرّ بها النوى .
قالوا : وأصل هذا أنّ الحاديين يكونان في رفقة ، فإذا فرّقهم الطريق شقّا العصا الّتي معهما ، فأخذ هذا نصفها ، وذا نصفها ، يضرب مثلا لكلّ فرقة ، انتهى » منه ره .
( 2 ) - الأعراف : 128 ، القصص : 83 .