فأتى جبرئيل العجوز حتّى أخذ المفاتيح ، ثمّ فتح أبواب المدينة ودار النبيّ صلى اللّه عليه وآله وسلم في بيوتها وقراها ؛
فقال جبرئيل : يا محمّد ، هذا ما خصّك اللّه به وأعطاك دون الناس ، وهو قوله :
ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى
« 1 »
وذلك في قوله :
فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ وَلكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ
« 1 » .
ولم يغزوا المسلمون ولم يطؤوها ، ولكنّ اللّه أفاءها على رسوله ، وطوّف به جبرئيل في دورها وحيطانها ، وغلّق الباب ، ودفع المفاتيح إليه ؛
فجعلها رسول اللّه في غلاف سيفه وهو معلّق بالرحل ، ثمّ ركب وطويت له الأرض كطيّ الثوب ، فأتاهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم وهم على مجالسهم لم يتفرّقوا ولم يبرحوا ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم للناس : قد انتهيت إلى فدك ، وإنّي قد أفاءها اللّه عليّ .
فغمز المنافقون بعضهم بعضا ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم : هذه مفاتيح فدك ؛
ثمّ أخرجها من غلاف سيفه ، ثمّ ركب رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم وركب معه الناس ، فلمّا دخل على فاطمة عليها السّلام فقال : يا بنيّة ، إنّ اللّه قد أفاء على أبيك بفدك ، واختصّه بها ، فهي لي خاصّة دون المسلمين ، أفعل بها ما أشاء ؛
وإنّه قد كان لامّك خديجة على أبيك مهر ؛
وإنّ أباك قد جعلها لك بذلك ، ونحلتكها ، تكون لك ولولدك بعدك .
قال : فدعا بأديم عكاظي « 3 » ، ودعا عليّ بن أبي طالب عليه السّلام ، فقال :
اكتب لفاطمة بفدك نحلة من رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم .
وشهد على ذلك عليّ بن أبي طالب ، ومولى لرسول اللّه ، وأمّ أيمن .
فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم : إنّ أمّ أيمن امرأة من أهل الجنّة .
وجاء أهل فدك إلى النبيّ صلى اللّه عليه وآله وسلم ؛
هامش
( 1 ) الحشر : 6 - 7 .
( 3 ) الأديم : هو الجلد المدبوغ ، وعكاظي : نسبة إلى سوق عكاظ لأنّه يحمل إليه فيباع هناك . ( معجم البلدان : 4 / 142 ) .