انقلبت - بعدك يا أبتاه - الأسباب ، وتغلّقت دوني الأبواب ، فأنا للدنيا بعدك قالية ، وعليك ما تردّدت أنفاسي باكية ، لا ينفد شوقي إليك ، ولا حزني عليك ؛
ثمّ نادت : يا أبتاه ، وا لبّاه ، ثمّ قالت :
إنّ حزني عليك حزن جديد * وفؤادي واللّه صبّ عنيد
كلّ يوم يزيد فيه شجوني * واكتئابي عليك ليس يبيد
جلّ خطبي فبان عنّي عزائي * فبكائي كلّ وقت جديد
إنّ قلبا عليك يألف صبرا * أو عزاء فإنّه لجليد « 1 »
ثمّ نادت : يا أبتاه ، انقطعت بك الدنيا بأنوارها ، وزوت زهرتها ، وكانت ببهجتك زاهرة ، فقد اسودّ نهارها ، فصار يحكي حنادسها « 2 » رطبها ويابسها .
يا أبتاه ، لا زلت آسفة عليك إلى التلاق ، يا أبتاه ، زال غمضي منذ حقّ الفراق .
يا أبتاه ، من للأرامل والمساكين ، ومن للأمّة إلى يوم الدين .
يا أبتاه ، أمسينا بعدك من المستضعفين .
يا أبتاه ، أصبحت الناس عنّا معرضين ، ولقد كنّا بك معظّمين في الناس غير مستضعفين ، فأيّ دمعة لفراقك لا تنهمل ؟ وأيّ حزن بعدك عليك لا يتّصل ؟
وأيّ جفن بعدك بالنوم يكتحل ؟ وأنت ربيع الدين ، ونور النبيّين .
فكيف للجبال لا تمور ، وللبحار بعدك لا تغور ، والأرض كيف لم تتزلزل ! ؟
رميت يا أبتاه ، بالخطب الجليل ، ولم تكن الرزيّة بالقليل ، وطرقت يا أبتاه ، بالمصاب العظيم ، وبالفادح المهول ، بكتك يا أبتاه ، الأملاك ، ووقفت الأفلاك ؛
فمنبرك بعدك مستوحش ، ومحرابك خال من مناجاتك ، وقبرك فرح بمواراتك والجنّة مشتاقة إليك وإلى دعائك وصلاتك .
يا أبتاه ، ما أعظم ظلمة مجالسك ، فوا أسفاه عليك إلى أن أقدم عاجلا عليك .
واثكل أبو الحسن المؤتمن أبو ولديك الحسن والحسين ، وأخوك ووليّك ،
هامش
( 1 ) الجليد : القوّة والصبر .
( 2 ) ليلة ظلماء حندس : أي شديدة الظلمة ، والجمع : حنادس .