ثمّ اعلم أنّا لم نجد أحدا من المخالفين أنكر كون فدك خالصة لرسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم في حياته ، ولا أحدا من الأصحاب طعن على أبي بكر بإنكاره ذلك ، إلّا ما تفطّن به بعض الأفاضل من الأشارف ، مع أنّه يظهر من كثير من أخبار المؤالف والمخالف ذلك .
وقد تقدّم ما رواه ابن أبي الحديد في ذلك ، عن أحمد بن عبد العزيز الجوهري وغيرها من الأخبار ، ولا يخفى أنّ ذلك يتضمّن إنكار الآية وإجماع المسلمين ، إذ القائل :
إنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم كان يصرف شيئا من غلّة فدك وغيرها من الصفايا في بعض مصالح المسلمين ، لم يقل بأنّها لم تكن لرسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم ، بل قال : بأنّه فعل ذلك على وجه التفضّل وابتغاء مرضاة اللّه تعالى ؛
وظاهر الحال أنّه أنكر ذلك دفعا لصحّة النحلة ، فكيف كان يسمع الشهود على النحلة مع ادّعائه أنّها كانت من أموال المسلمين .
واعتذر المخالفون من قبل أبي بكر بوجوه سخيفة :
الأوّل : منع عصمتها صلوات اللّه عليها ، وقد تقدّمت الدلائل المثبتة لها .
الثاني : أنّه لو سلّم عصمتها ، فليس للحاكم أن يحكم بمجرّد دعواها ، وإن تيقّن صدقها ، وأجاب أصحابنا بالأدلّة الدالّة على أنّ الحاكم يحكم بعلمه ؛
وأيضا اتّفقت الخاصّة والعامّة على رواية قصّة خزيمة بن ثابت وتسميته بذي الشهادتين لمّا شهد للنبيّ صلى اللّه عليه وآله وسلم بدعواه ، ولو كان المعصوم كغيره لما جاز النبيّ صلى اللّه عليه وآله وسلم قبول شاهد واحد والحكم لنفسه ، بل كان يجب عليه الترافع إلى غيره .
وقد روى أصحابنا :
أنّ أمير المؤمنين عليه السّلام خطّأ شريحا في طلب البيّنة ، وقال :
إنّ إمام المسلمين يؤتمن من أمورهم على ما هو أعظم من ذلك ، وأخذ ما ادّعاه من درع طلحة بغير حكم شريح ، والمخالفون حرّفوا هذا الخبر وجعلوه حجّة لهم ، واعتذروا بوجوه أخرى سخيفة لا يخفى على عاقل بعد ما أوردنا في تلك الفصول ضعفها ووهنها ، فلا نطيل الكلام بذكرها .
العوالم ، السيدة الزهراء ( س ) — صفحة 711
مساهمون: الشيخ عبد الله البحراني
ص٧١١