الثالث : إنّ القول بذلك يوجب إلقاء كلامه صلى اللّه عليه وآله وسلم وخلوّه عن الفائدة ، إذ مدلوله حينئذ أنّ بضعته كسائر المسلمين ولا يقول ذلك من أوتي حظّا من الفهم والفطانة ، أو اتّصف بشيء من الإنصاف والأمانة ؛
وقد أطبق محدّثوهم على إيراد تلك الروايات في باب مناقبها صلوات اللّه عليها .
فإن قيل : أقصى ما يدلّ عليه الأخبار ، هو أنّ إيذاءها إيذاء الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلم ، ومن جوّز صدور الذنب عنه صلى اللّه عليه وآله وسلم ، لا يأبى عن إيذائه إذا فعل ما يستحقّ به الإيذاء .
قلنا : بعد ما مرّ من الدلائل على عصمة الأنبياء عليهم السّلام ، قال اللّه تعالى :
وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ
« 1 » ، وقال سبحانه :
وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ
« 2 » ، وقال تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً
« 3 » .
فالقول بجواز إيذائه صلى اللّه عليه وآله وسلم ردّ لصريح القرآن ، ولا يرضى به أحد من أهل الإيمان .
فإن قيل : إنّما دلّت الأخبار على عدم جواز إيذائها ، وهو إنّما ينافي صدور ذنب عنها يمكن للناس الاطّلاع عليه ، حتّى يؤذيها نهيا عن المنكر ، ولا ينافي صدور معصية عنها خفيّة فلا يدلّ على عصمتها مطلقا .
قلنا : نتمسّك في دفع هذا الاحتمال بالإجماع المركّب ، على أنّ ما جرى في قصّة فدك وصدر عنها من الإنكار على أبي بكر ، ومجاهرتها بالحكم بكفره وكفر طائفة من الصحابة وفسقهم تصريحا وتلويحا ، وتظلّمها وغضبها على أبي بكر ، وهجرتها وترك كلامها حتّى ماتت ، لو كانت معصية لكانت من المعاصي الظاهرة الّتي قد أعلنت بها على رؤوس الأشهاد ، وأيّ ذنب أظهر وأفحش من مثل هذا الردّ والإنكار على الخليفة المفترض الطاعة على العالمين ؟ بزعمهم فلا محيص لهم عن القول ببطلان خلافة خليفتهم العظمى تحرّزا عن إسناد هذه المعصية الكبرى إلى سيّدة النساء .
3 - ونحتجّ أيضا في عصمتها صلوات اللّه عليها بالأخبار الدالّة على وجوب التمسّك بأهل البيت عليهم السّلام ، وعدم جواز التخلّف عنهم ، وما يقرب من هذا المعنى ؛
هامش
( 1 ) التوبة : 61 .
( 2 ) الأحزاب : 53 .
( 3 ) الأحزاب : 57 .