ثمّ انتقلت الخلافة بعد ذلك بالوصاية مرة ، وبالشورى مرّة أخرى ؛ وقد عمل الحسد والحقد في نفوسهم حتّى لكأنّهم لم يشفوا غليلهم بحرمان آل الرسول صلوات اللّه عليهم منها ، بل لاحقوهم بالاضطهاد والحرمان والقتل والتشريد .
فتعال معي أخي القارئ لننصت إلى آهات الزهراء عليها السلام بنت الرسول صلّى اللّه عليه وآله وفلذّة كبده ، يوم زفرتها وهي بين قبور الشهداء حيث كانت تزورهم بعد وفاة أبيها ، والحزن يملؤها والآلام تعصرها ، فلم تجد بدّا من ذرف الدموع السخينة كمدا ولوعة على فراق رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وعلى ما لحقهم من غربة وضياع بعده ، تقول عليها السلام :
« أما واللّه لو تركوا الحقّ على أهله ، واتّبعوا عترة نبيّه ، لما اختلف في اللّه اثنان ولورثها سلف عن سلف وخلف بعد خلف ، حتّى يقوم قائمنا التاسع من ولد الحسين ولكن قدّموا من أخّره اللّه ، وأخّروا من قدّمه اللّه ، حتى إذا ألحدوا المبعوث ، وأودعوه الجدث المجدوث « 1 » ، اختاروا بشهوتهم وعملوا بآرائهم ، تبّا لهم ، أو لم يسمعوا اللّه يقول :
وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ
؛ بل سمعوا ، ولكنّهم كما قال سبحانه وتعالى :
فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ
« 2 » .
هيهات بسطوا في الدنيا آمالهم ، ونسوا آجالهم ، فتعسا لهم وأضلّ أعمالهم . « 3 »
وقد بقي أمير المؤمنين عليه السلام طيلة سنوات عمره الشريف يحتجّ بواقعة الغدير ، ويستنشد في المنتديات والمحافل السامعين لها - ممّن كان قد حضرها - من الصحابة أن يذكّروا الناس بها ، ويرووا لهم ما سمعوا من فم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ، وكان آخرها مناشدته عليه السلام يوم صفّين سنة 37 ، وفي كلّ مرّة كان يقوم من حضرها ويذكر ما سمع إلّا شرذمة كتمت شهادتها حنقا وسفها وخبثا ؛
هامش
( 1 ) أي : القبر المحفور .
( 2 ) الحج : 46 .
( 3 ) كفاية الأثر : 198 ، عنه عوالم العلوم : 11 / 443 ح 3 .