وقد صليت يا ابن أخي قبل أن ألقى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بثلاث سنين ، قلت : لمن ؟ قال : للّه ، قلت : فأين توجّه ؟ قال : أتوجه حيث يوجهني ربي ، أصلي عشاء حتى إذا كان من آخر الليل ألقيت كأني خفاء ، حتى تعلوني الشمس فقال أنيس : إن لي حاجة بمكة فاكفني ، فانطلق أنيس حتى أتى مكة فراث عليّ ، ثم جاء فقلت : فيم جئت ؟ قال : لقيت رجلا بمكة على دينك ، يزعم أن اللّه أرسله ، قلت : فما يقول الناس ؟
قال : يقولون : شاعر كاهن - وكان أنيس أحد الشعراء - قال أنيس : لقد سمعت قول الكهنة فما هو بقولهم ولقد وضعت قوله على حد الشعر فما يلتئم على لسان أحد ، إنه مبعوث ، واللّه إنه لصادق ، وإنهم لكاذبون ، قال : قلت : اكفني حتى أذهب فأنظر ، قال : فأتيت مكة فأبصرت رجلا منهم فقلت : أين هو الذي تدعونه الصابئ ؟ قال : فأشار إليّ فقال : الصابئ ؟ فمال علي أهل الوادي بكل مدرة وعظم حتى خررت مغشيا عليّ .
قال : فارتفعت حين ارتفعت كأني نصب أحمر ، قال : فأتيت زمزم فغسلت عني الدماء ، وشربت من مائها ، وقد لبثت يا ابن أخي ثلاثين ما بين يوم وليلة ما لي طعام إلا ماء زمزم ، فسمنت حتى تكسر عليّ عكن بطني ، وما وجدت على كبدي سخفة جوع .
قال : فبينا أهل مكة في ليلة قمراء إضحيان إذ ضرب على أسمختهم ، فما يطوف بالبيت أحد ، وامرأتان منهم تدعوان إساف ونائلة ، قال : فأتيا عليّ في طوافهما ، فقلت : أنكحا إحداهما الآخر ، فما تناهيا عن قولهما ، فأتيا عليّ فقلت : هنا مثل الخشبة - غير أني لا أكني - ، فانطلقتا تولولان ، وتقولان : لو كان هاهنا أحد من أنفارنا ؟ فاستقبلهما
مناحل الشفا ومناهل الصفا بتحقيق كتاب شرف المصطفى ( ص ) — صفحة 258
مساهمون: عبد الملك الخركوشي النيسابوري
ص٢٥٨