منزلتنا ، ولا تعرف له العرب مثل ما تعرف لنا ، وتواصوا بينهم ان لا يعظموا شيئا من الحل كما يعظمون الحرم ، وتركوا الوقوف على عرفات في التاسع من ذي الحجة والإفاضة منها مع علمهم بأنها من شعائر إبراهيم ، وجعلوا لمن توالد من العرب من ساكن الحل والحرم مثل الذي لهم ، يحل لهم ما يحل لقريش ، ويحرم عليهم ما يحرم عليها ، وسموا أنفسهم بالحمس « 1 » .
وكانوا مع ذلك في تلك الأيام لا يتخذون من اللبن اقطا « 2 » ولا سمنا ولا يسلون شحما ، ولا يدخلون بيتا من شعر ، ولا يستظلون إن استظلوا الا في بيوت الأدم « 3 » وقالوا لا ينبغي لأهل الحل ان يأكلوا من طعام جاءوا به معهم من الحل إلى الحرم ، إذا جاءوا حجاجا أو عمارا ، ولا يطوفوا بالبيت عند قدومهم أول طواف إلا في ثياب الحمس ، فإن لم يجدوا منها شيئا طافوا بالبيت عراة ، وأضاف إلى ذلك ابن هشام في سيرته ، فان تكرم منهم متكرم من رجل أو امرأة ولم يجد ثياب الحمس فطاف في ثيابه التي جاء بها من الحل ألقاها إذا فرغ من طوافه ، ثم لم يعد له ان ينتفع بها ، أو يمسها هو أو أحد غيره ، ويسمون ذلك الثوب ( اللقى ) « 4 » .
وفي ذلك يقول بعض الشعراء :
كفى حزنا كري عليه كأنه * لقى بين أيدي الطائفين حريم
وكانت المرأة إذا أرادت ان تطوف ولم تجد ثوبا من ثياب الحمس تطوف عارية واضعة يدها على فرجها ، وفي رواية ابن هشام انها تنزع جميع ثيابها الا
هامش
( 1 ) الحمس جمع احمس ، وهو المتشدد المتصلب في الدين ، وسموا أنفسهم بذلك لأنهم تشددوا في الدين بادخال هذه البدع على الحج .
( 2 ) الإقط شيء يتخذ من لبن الغنم أو من مخيضه .
( 3 ) الأخبية التي تصنع من الجلد .
( 4 ) اللقى : الشيء المطروح .