وسلّم عليه فردّ عليه السلام .
فقال له البهلول : من أين لك معرفتي ولم ترني ؟
فقال زيد : قلوب المؤمنين جنود مجنّدة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف ، فقال له البهلول : ما الذي أخرجك من بلادك بغير دابّة ولا مركوب ؟
فقال : بلغني أنّ هذا اللعين أمر بحرث قبر الحسين وخراب بنيانه وقتل زوّاره فهذا الذي أخرجني وأجرى دموعي .
فقال له البهلول : وأنا واللّه كذلك ، فقال له : قم إلى كربلاء لنشاهد قبور أولاد عليّ المرتضى ، فوصلا إلى قبر الحسين وإذا هو على حاله لم يتغيّر وقد هدّموا بنيانه وكلّما أجروا عليه الماء غار وحار واستدار ، وكان القبر إذا جاءه الماء ترتفع أرضه بإذن اللّه تعالى فقال زيد المجنون : انظر يا بهلول
يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ
، ولم يزل المتوكّل يأمر بحرث قبر الحسين مدّة عشرين سنة والقبر على حاله لم يتغيّر ولا يعلوه قطرة من الماء .
فلمّا نظر الحارث إلى ذلك قال : آمنت باللّه وبمحمّد رسول اللّه ، واللّه لأهربن على وجهي وأهيم في البراري ولا أحرث قبر الحسين وأنّ لي مدّة عشرين سنة أشاهد براهين آل بيت رسول اللّه ولا أتّعظ ، ثمّ إنّه حلّ الثيران وطرح الفدان وأقبل نحو زيد المجنون وقال : يا شيخ لأيّ شيء جئت إلى هنا وأنّي لأخشى عليك من القتل ؟
فبكى زيد وقال : واللّه قد بلغني حرث قبر الحسين فأحزنني فانكبّ الحارث على أقدام زيد يقبّلهما ويقول : فداك أبي وأمّي ، فو اللّه يا شيخ من حين أقبلت إلي أقبلت إليّ الرحمة واستنار قلبي بنور اللّه وأنّ لي مدّة عشرين سنة أحرث هذه الأرض وكلّما أجريت الماء غار وحار واستدار ولم يصل إلى القبر منه قطرة وكأنّي كنت في سكر وأفقت الآن ببركة قدومك ، فبكى زيد وقال له الحارث : ها أنا الآن ماض إلى المتوكّل بسرّ من رأى أعرّفه بصورة الحال إن شاء أن يقتلني وإن شاء أن يتركني .
فقال له زيد : وأنا أسير معك .
فلمّا دخل الحارث على المتوكّل وأخبره بما شاهد من برهان قبر الحسين عليه السّلام ازداد بغضا لأهل البيت وأمر بقتل الحارث وصلبه ، وأمّا زيد فازداد حزنه وصبره حتّى أنزلوه من