و اعلم بأن ذا الجلال قد قدر * في الصحف الأولى التي كان سطر
و البيان ، كقوله تعالى :
إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الْغابِرِينَ
أي بيّنا و أخبرنا بذلك .
إذا ظهر هذا فنقول للأشعري : ما تعني بقولك أنّه تعالى قضى أعمال العباد و قدّرها ؟
إن أردت به الخلق و الإيجاد فقد بيّنا بطلانه و أنّ الأفعال مستندة إلينا ، و إن عنى به الإلزام لم يصحّ إلّا في الواجب خاصة ، و إن عنى به أنّه تعالى بيّنها و كتبها و أعلم أنّهم سيفعلونها فهو صحيح لأنّه تعالى قد كتب ذلك أجمع في اللوح المحفوظ و بيّنه لملائكته ، و هذا المعنى الأخير هو المتعيّن للإجماع على وجوب الرضا بقضاء اللّه تعالى و قدره ، و لا يجوز الرضا بالكفر و غيره من القبائح .
و لا ينفعهم الاعتذار بوجوب الرضا به من حيث إنّه فعله تعالى و عدم الرضا به من حيث الكسب ، لبطلان الكسب أوّلا ، و ثانيا فلأنّا نقول : إن كان كون الكفر كسبا بقضائه تعالى و قدره وجب الرضا به من حيث هو كسب و هو خلاف قولكم ، و إن لم يكن بقضاء و قدر بطل استناد الكائنات بأجمعها إلى القضاء و القدر .
و اعلم أنّ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - صلوات اللّه و سلامه عليه - قد بيّن معنى القضاء و القدر و شرحهما شرحا وافيا في حديث الأصبغ بن نباتة لمّا انصرف من صفين ، فإنّه قام إليه شيخ فقال له : أخبرنا يا أمير المؤمنين عن مسيرنا إلى الشام أكان بقضاء اللّه تعالى و قدره ؟
فقال أمير المؤمنين عليه السّلام : « و الذي فلق الحبة و برأ النسمة ما وطأنا موطئا و لا هبطنا واديا و لا علونا تلعة إلّا بقضاء و قدر » .
فقال له الشيخ : عند اللّه أحتسب عنائي ، ما أرى لي من الأجر شيئا . فقال له : « مه أيّها الشيخ ، بل عظّم اللّه أجركم في مسيركم و أنتم سائرون ، و في منصرفكم و أنتم منصرفون ، و لم تكونوا في شيء من حالاتكم مكرهين و لا إليها مضطرين » .
فقال الشيخ : كيف و القضاء و القدر ساقانا ؟
فقال : « و يحك ، لعلك ظننت قضاء لازما و قدرا حتما ، لو كان كذلك لبطل الثواب و العقاب و الوعد و الوعيد و الأمر و النهي و لم تأت لائمة من اللّه لمذنب و لا محمدة