وكان الامام أمير المؤمنين عليه السّلام يتوقّع مثل هذا اليوم ولذا كان في أوّل الامر يأبى أن ينصاع لطلب الناس ، ويرفض قبول حكومتهم ، لأنه يعلم أنهم لا يثبتون على تنفيذ سياساته واجراء برامجه ، إذ كان يقول :
« دعوني والتمسوا غيري فإنّا مستقبلون امرا له وجوه وألوان لا تقوم له القلوب ، ولا تثبت عليه العقول » « 1 » .
لكنّه قال في آخر الامر جملة تؤكّد تحقق توقّعه السابق وتثبت صحة رأيه الأول بعد أن اختبر الناس رأيه حيث قال : « اعلموا أنه قد وقع الامر الذي كنت أحذركم إيّاه ، وأنّ الفتنة كالنار كلّما اسعرت ازدادت ، وإنّما سأمسك هذا الأمر ما أتمسّك فإذا لم أجد بدّا فآخر الدواء الكيّ » « 2 » .
وكانت عاقبة هذا الحكم على خلاف السنن الجارية في المجتمعات البشريّة حيث صار الحاكم مظلوما والرعية ظلمة بدلا من أن يكون هو الظالم وهي المظلومة كما هو المتعارف ، وغدا الناس امراء له بدلا من أن يكون هو أميرهم .
وواضح ما ذا يكون عليه مصير حكومة كهذه . قال علي عليه السّلام :
« لقد أصبحت الأمم تخاف ظلم رعاتها ، وأصبحت أخاف ظلم رعيّتي » « 3 » .
وقد ازدادت حركة الامّة وخروجها من الطاعة إلى عدم الطاعة خلال الحروب الداخلية الثلاث شيئا فشيئا . فقد بلغ اقبال الناس وهجومهم عليه في أول الأمر حدّا كاد ان يسحق معه ابناه ويهلكا تحت ضغط الجمع الحاشد حتى
هامش
( 1 ) نهج البلاغة ، لصبحي الصالح ص 136 .
( 2 ) الفتوح لابن اعثم ج 2 ص 272 .
( 3 ) الخطبة 95 من نهج البلاغة ، وفقا لتصنيف نهج البلاغة ص 382 .