ورغم جهود الامام المتواصلة التي ادّت طبعا إلى بقاء الشيعة الّا أنّ المدينة وبسبب الانحرافات الفكرية التي سادتها منذ صدر الاسلام ، وما نتج عنها من أجواء متشائمة من الخط الفكري الشيعي ، لم تكن مناخا مناسبا لتنامي الشيعة كما قال السجاد عليه السّلام : « ما بمكّة والمدينة عشرون رجلا يحبّنا » « 1 » .
موقف الامام من الأمويين
كان أول موقف للامام مع ولاة بني أميّة بعد واقعة كربلاء هو موقفه من عبيد اللّه بن زياد في دار الامارة بالكوفة ، إذ سأله ابن زياد في هذا اللقاء عن اسمه فاجابه الامام ان اسمه علي . فقال له ابن زياد : ألم يقتل اللّه عليّ بن الحسين في كربلاء ؟ فأجابه عليه السّلام : كان لي أخ يدعى عليا قتله الناس . فقال ابن زياد : بل قتله اللّه . فقال الامام :
اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها
« 2 » كناية عن أن اللّه هو الذي يقبض أرواح الناس عند انتهاء آجالهم ، لكن أهل الكوفة هم الذين قتلوه .
وأراد ابن زياد قتله ، لكن زينب ابنة أمير المؤمنين تدخلت في الموضوع وحالت بينه وبين قتله « 3 » .
وتحدّث معه يزيد أيضا في الشام ووجه له اللوم والتقريع « 4 » . ثم أتيحت للامام فرصة مؤاتية لارتقاء المنبر فاورد خطبة غرّاء عرّف بها الناس بنفسه ونسبه ، وكان الأمويون قد ضلّلوا أهل الشام بدعاياتهم ولم يتيحوا لهم معرفة أهل
هامش
( 1 ) ابن أبي الحديد ج 4 ص 104 ، وراجع كتاب البحار ج 46 ، الغارات ص 573 .
( 2 ) الزمر / 42 .
( 3 ) الطبري - ج 5 ص 231 ط غز الدين ، المنتخب من ذيل المذيل ص 630 .
( 4 ) ابن عبد ربّه - العقد الفريد ج 5 ص 131 .