لم يكن عند الامام أي شيء من حطام الدنيا حتى يخاف عليه من سلطان المنصور ، وليس عند المنصور من متع الآخرة حتى يرجوه ويتصل به ، وسلك المنصور طريقا آخر فكتب إلى الامام :
« إنك تصحبنا لتنصحنا » .
فأجابه الامام :
« من أراد الآخرة فلا يصحبك ، ومن أراد الدنيا فلا ينصحك . . »
وبهذا المنطق الحافل بجميع مقومات الحق اعرب الامام عن سلوكه في الابتعاد عن السلطة وعدم التعاون معها ، وتحدث الأستاذ أسد حيدر عن هذا الطابع النير الذي امتازت به مدرسة الامام بقوله :
« كان طابع مدرسة الإمام الصادق الذي طبعت عليه ، ومنهجها الذي اختصت به - من بين المدارس الاسلامية - هو استقلالها الروحي ، وعدم خضوعها لنظام السلطة ، ولم تفسح المجال لولاة الأمر أن يتدخلوا في شؤونها ، أو تكون لهم يد في توجيهها وتطبيق نظامها ، لذلك لم يتسنّ لذوي السلطة استخدامها في مصالحهم الخاصة ، أو تتعاون في شؤون الدولة ومن المستحيل ذلك - وان بذلوا جهدهم في تحقيقه - فهي لا تزال منذ نشأتها الأولى تحارب الظالمين ، ولا تركن إليهم ، كما لا تربطها وإياهم روابط الألفة ، ولم يحصل بينها وبينهم انسجام ، وبهذا النهج الذي سارت عليه ، والطابع الذي اختصت به ، أصبحت عرضة للخطر فكان النزاع بينها وبين الدولة يشتد ، والعداء يتضخم ، فلا الدولة تستطيع التنازل لمنهج المدرسة فتكسب ودها ، وتسعد بمعاونتها ، ولا المدرسة في امكانها أن تتنازل لإرادة الدولة ، فتؤازرها ، وتسير بخدمتها ، وتتعاون معها ، وكيف يكون ذلك ؟ وهي منذ نشأتها الأولى ترتبط بالثقلين كتاب اللّه ، وعترة رسوله ، وهما متلازمان متكاتفان لن يفترقا في أداء واجبهما لارشاد الأمة وهدايتها ،
حياة الإمام موسى بن جعفر ( ع ) — صفحة 89
مساهمون: الشيخ باقر شريف القرشي
ص٨٩