هلاك المنصور :
وقرر المنصور السفر إلى مكة ، واعتقد أنه سيهلك في سفره ، وقد هام في تيار من الهواجس والافكار فكان يقول : « إني ولدت في شهر ذي الحجة وتوليت الخلافة في ذي الحجة ، وأهجس في نفسي اني أموت في ذي الحجة هذه السنة » « 1 » وقد عهد بأمره إلى ولده المهدي ، ونصبه ملكا من بعده وقد أوصاه بهذه الوصية التي كشفت جانبا كبيرا من سياسته الارهابية التي أشاعت الفقر والخوف والسجون بين المسلمين فقد جاء فيها :
« اني تركت بعض المسيئين من الناس ثلاثة أصناف فقيرا لا يرجو الا غناك ، وخائفا لا يرجو الا أمنك ، ومسجونا لا يرجو الفرج الا منك فإذا وليت فأذقهم طعم الرفاهية ، لا تمدد لهم كل المد . . وقد جمعت لك من الأموال ما لم يجمعه خليفة قبلي وجمعت لك من الموالي ما لم يجمعه خليفة قبلي وبنيت لك مدينة لم يكن في الاسلام مثلها . . » . « 2 »
انه لم يترك بعض المسيئين من الناس على ثلاثة أصناف ، وانما ترك الناس جميعا كذلك فقد روعهم بخوفه ، وسلبهم الامن والدعة ، ونشر الفقر والمجاعة بينهم ، وملئ السجون بالاحرار والمصلحين .
وسار موكبه من بغداد يطوي البيداء فلما بعد عن الكوفة عرض له وجعه على أشد ما يكون ، وأخذت الهواجس تنتابه في الطريق فجعل يقول للربيع : « بادر بي إلى حرم ربي وأمنه هاربا من ذنوبي » .
هامش
( 1 ) ابن الأثير 5 / 43
( 2 ) تأريخ اليعقوبي 3 / 349