ضرب المثل الأعلى للاخاء الصادق .
ولما انتهت القافلة إلى الربذة أنزل العلويون عن رواحلهم وهم مكبلون بالحديد تصهرهم الشمس ، وأمر المنصور بادخال محمد بن عبد اللّه عليه « 1 » فلما مثل عنده قابله المنصور بالسب والشتم والقذف ، واتهمه بأمور أمسكنا عن ذكرها لفحشها ، فان هذا الخبيث الدنس الذي حفل تأريخه بالعار والخزي لم يتحرج من الاتهام والكذب وقول الإفك .
وأمر الباغي الأثيم بتجريد محمد من ثيابه فجرد منها حتى بدت عورته وأمر جلاوزته بضربه ، فعلته الجلاوزة بالسياط فضرب خمسين ومائة سوط وقد بلغ به الألم كل مبلغ ، والمنصور جذل مسرور ، وأصاب احدى السياط وجهه ، فقال للجلاد : « اكفف عن وجهي فان له حرمة من رسول اللّه ( ص ) » :
فانبرى المنصور إلى الجلاد قائلا :
« الرأس . . الرأس » فضربه ثلاثين سوطا على رأسه ، ثم دعا بساجور « 2 » من خشب شبيه به في طوله فشد في عنقه ، وشدت به يداه ، وأخرج ملببا فدخل على أصحابه كأنه زنجي قد غيرت السياط لونه ، وأسالت دمه ، وأصاب سوط منها احدى عينيه فسالت ، ووثب إليه مولى لأبي جعفر فقال له :
الا الوثك بردائي ؟ فقال له بلى جزيت خيرا ، فو اللّه لشفوف إزاري أشد علي من الضرب الذي نالني ، فألقى عليه المولى الثوب « 3 » .
واستدعى محمد وهو بتلك الحالة ماء فلم يسقه أحد سوى رجل من
هامش
( 1 ) البداية والنهاية 10 / 81
( 2 ) الساجور : خشبة تعلق بعنق الكلب
( 3 ) الطبري 6 / 179