شوارع الكوفة إذ وقع بصره على عجوز تتبع أحمال الرطب فتلقط ما يسقط منها ، وتجمعه في كساء رث كان عليها ، فلم يستطع أن يسير ، وبادر يسألها عن صنعها فقالت له :
« إني امرأة لا رجل لي يقوم بمؤنتي ، ولي بنات لا يعدن على أنفسهن بشيء ، فأنا أتبع هذا الطريق ، وأتقوته أنا وولدي » .
فجمد دمه ، وانفجر بالبكاء ، وقال لها : « أنت واللّه وأشباهك تخرجوني غدا حتى يسفك دمي » « 1 » .
لقد دفعهم هذا الشعور الفياض بالرحمة والعطف على الفقير والمحروم إلى مناجزة الظالمين ، ومناهضة الطغاة الحاكمين الذين استأثروا بأموال الأمة وقوتها فانبروا إلى ميادين الجهاد لمكافحة ذلك الطغيان والاستبداد .
2 - الشمم والإباء :
وفطرت نفوس العلويين على العزة والكرامة ، وجبلت على النبل والشهامة وقد جهدت السلطات الجائرة في عصورهم على اذلالهم فلم يطيقوا صبرا ، وتسابقوا إلى الشهادة لينعموا بالكرامة ، ولما حاول يزيد بن معاوية ارغام سبط النبي ( ص ) وريحانته الإمام الحسين ( ع ) على البيعة له ، والدخول في طاعته . فانبرى ( ع ) إلى ساحات الجهاد ، واعلن يوم الطف كلمته الخالدة التي رسم فيها الآباء بما له من معنى مشرق قال ( ع ) :
« الا وإن الدعي ابن الدعي قد ركز بين اثنتين بين السلة والذلة ، وهيهات منا الذلة ، يأبى اللّه لنا ذلك ، ورسوله والمؤمنون ، وحجور طابت ، وبطون
هامش
( 1 ) مقاتل الطالبيين : ( ص 521 )