فان العلم يذل على أن يملي على من لا يفيق ، فقال هشام : فإن لم أجد من يعقل السؤال عنها ؟ فقال ( ع ) : فاغتنم جهله عن السؤال حتى تسلم من فتنة القول وعظيم فتنة الرد ، واعلم أن اللّه لم يرفع المتواضعين بقدر تواضعهم ولكن رفعهم بقدر عظمته ومجده ، ولم يؤمن الخائفين بقدر خوفهم ولكن آمنهم بقدر كرمه وجوده ، ولم يفرح المحزونين بقدر حزنهم ولكن بقدر رأفته ورحمته ، فما ظنك بالرءوف الرحيم الذي يتودد إلى من يؤديه بأوليائه ، فكيف بمن يؤذى فيه ؟ وما ظنك بالتواب الرحيم الذي يتوب على من يعاديه ، فكيف بمن يترضاه ، ويختار عداوة الخلق فيه .
يا هشام : من أحب الدنيا ذهب خوف الآخرة من قلبه ، وما أوتى عبد علما فازداد للدنيا حبا الا ازداد من اللّه بعدا ، وازداد اللّه عليه غضبا .
يا هشام : ان العاقل اللبيب من ترك ما لا طاقة له به ، وأكثر الصواب في خلاف الهوى ، ومن طال أمله ساء عمله .
يا هشام : لو رأيت مسير الأجل لألهاك عن الأمل ! ! .
يا هشام : إياك والطمع ، وعليك باليأس مما في أيدي الناس ، وأمت الطمع من المخلوقين ، فان الطمع مفتاح للذل ، واختلاس للعقل واختلاق للمروات ، وتدنيس للعرض ، وذهاب للعلم ، وعليك بالاعتصام بربك والتوكل عليه ، وجاهد نفسك لتردها عن هواها فإنه واجب عليك كجهاد عدوك ، فقال له هشام :
فأي الأعداء أوجبهم مجاهدة ؟ .
- أقربهم إليك وأعداهم لك ، وأضرهم بك وأعظمهم لك عداوة ، وأخفاهم لك شخصا مع دنوه منك ، ومن يحرض عليك أعداءك وهو إبليس الموكل بوسواس القلوب فله فلتشتد عداوتك ، ولا يكونن أصبر على مجاهدتك لهلكتك منك على صبرك لمجاهدته فإنه أضعف منك في قوته ، وأقل
حياة الإمام موسى بن جعفر ( ع ) — صفحة 222
مساهمون: الشيخ باقر شريف القرشي
ص٢٢٢