تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الحسين وبطلة كربلاء — صفحة 174

مساهمون:

ص١٧٤
هذه ألفاظه ، وهذا أسلوبه ، وخطابه مع قوم ما وضعت ألفاظ السّباب واللّعن إلّا للدّلالة على خساستهم . إنّ تلك الفظائع لم تخلق من برير رجلا غير برير ، فهو هو ذاك الوادع المتواضع ، والزّاهد الخاشع الدّاعي إلى سبيل ربّه بالحكمة والموعظة الحسنة ، وإذا كان برير عظيما فكيف يفوّه بالحقير الّذي يستطيع النّطق به الطّفل الصّغير ، والمرأة الضّعيفة ، والسّفيه الفاجر ، إذا كان برير عظيما فليدع الكلام للسّيف وحده . برز برير لقتال جيش الظّلام وبين جنبيه قلب يستبشر بالموت استبشاره بعناق الحور العين ، فلم يدن أحد منه لشجاعته وهيبته ، فكان يحمل على الأعداء ويفرون من بين يديه خشية من لقائه ، فيناديهم اقتربوا منّي يا قتلة المؤمنين ، اقتربوا منّي يا قتلة أولاد رسول ربّ العالمين ، ولمّا عجزوا عن مقاومته وجها لوجه اغتاله كعب بن جابر بطعنة رمح في ظهره ، بعد أن قتل منهم ثلاثين رجلا ، فأودت الطّعنة بحياته الطّاهرة الزّكيّة الّتي شهد لصاحبها الرّجال والنّساء من قومه وعارفيه أنّه ما عرف الباطل شابّا ولا كهلا ؛ قال بعض من أعان على الحسين عليه السّلام لكعب عندما رآه قاصد اغتيال برير : ويّلك هذا الّذي كان يعلمنا القرآن « 1 » ، وأقسمت زوّجته لدى رجوعه إليها أن لا تكلمه أبدا « 2 » . لقد لبّى برير
هامش
( 1 ) انظر ، مقتل الحسين للخوارزمي : 1 / 248 ولكن بلفظ « برير بن خضير » بدل « يزيد بن الحصين » كما جاء في الفصول المهمّة لابن الصّباغ المالكي : 2 / 144 ، بتحقّيقنا . وكان من الزّهّاد الّذين يصومون النّهار ويقومون اللّيل ، فقال : يا بن رسول اللّه إئذن لي أن آتي هذا الفاسق عمر بن سعد فأعظه لعلّه يتّعظ ويرتدع عمّا هو عليه ، فقال الحسين : ذاك إليك يا برير ، فذهب إليه حتّى دخل على خيمته فجلس ولم يسلّم ، فغضب عمر وقال : يا أخا همدان ما منعك من السّلام عليّ ألست مسلما اعرف اللّه ورسوله وأشهد بشهادة الحقّ ؟ فقال له برير : لو كنت عرفت اللّه ورسوله كما تقول لما خرجت إلى عترة رسول اللّه تريد قتلهم ، وبعد فهذا الفرات يلوح بصفائه ويزلج كأنّه بطون الحيّات تشرب منه كلاب السّواد وخنازيرها . . . انظر ، الفتوح لابن أعثم : 3 / 106 وزاد فأطرق عمر بن سعد ساعة إلى الأرض ثمّ رفع رأسه وقال : إنّي واللّه أعلمه يا برير علما يقينا أن كلّ من قاتلهم وغصبهم على حقوقهم في النّار لا محالة ، ولكن ويّحك يا برير ! أتشير عليّ أن أترك ولاية الرّي فتصير لغيري ؟ ما أجد نفسي تجيبني إلى ذلك أبدا . . . ومثله في الكامل لابن الأثير : 4 / 37 بلفظ « برير » . ومثله في أمالي الصّدوق : 96 مجلس 30 طبعة أوّل ، تأريخ الفتوح التّرجمة الفارسية : 380 ، منتهى الآمال : 1 / 629 بلفظ « برير بن خضير » اللّهوف في قتلى الطّفوف : 95 ، المقتل لسّيّد عبد الرّزاق المقرّم : 232 ، تأريخ الطّبري : 6 / 243 ، و : 240 طبعة آخر ، 4 / 320 بلفظ « برير بن حضير » و : 5 / 241 طبعة آخر ، بحار الأنوار : 45 / 4 و 5 و 15 ، عوالم العلوم للشّيخ عبد اللّه البحراني الإصفهاني : 17 / 233 ، مقتل الحسين لأبي مخنف : 112 بلفظ « حضير » . ( 2 ) كعب بن جابر : أحد جنود الجيش الأموي ، قالت له زوجته أو أخته لمّا رجع من المعركة : « أعنت على ابن فاطمة ، وقتلت سيّد القراء ، لقد أتيت عظيما من الأمر ، واللّه لا أكلمك من رأسي كلمة أبدا » فأجابها بشعر يفتخر فيه بفعله تضمّن بيتا يذكر فيه أنّه أنقذر رضي بن منقذ من القتل حين أعانه على خصمه في المعركة :قتلت بريرا ، ثمّ حملت نعمة * أبا منقذ لمّا دعا : من يماصعونلفت النّظر إلى عقيدة الجبر الظّاهرة عند رضي بن منقذ العبدي في البيت الأوّل في قوله ( لو شاء ربّي ما شهدت قتالهم ) ، انظر ، تأريخ الطّبري : 5 / 432 - 433 .