الباب الثاني في القاضي
وفيه ثلاثة فصول
الفصل الأول في قضاء رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بين الناس
روى مالك رحمه اللّه تعالى في الموطأ ( 509 ) عن أمّ سلمة زوج النبي صلّى اللّه عليه وسلم : أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال : إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إليّ فلعلّ بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض ، فأقضي له على نحو ما أسمع منه ، فمن قضيت له بشيء من حقّ أخيه فلا يأخذنّ منه شيئا فإنما أقطع له قطعة من النّار .
فائدتان لغويتان :
الأولى : في « المشارق » ( 2 : 189 - 190 ) قضى في اللغة - على وجوه - مرجعها إلى انقطاع الشيء وتمامه والانفصال منه ، منها : قضى بمعنى ختم ، ومنه :
ثُمَّ قَضى أَجَلًا
( الأنعام : 2 ) أي : أتمه وختمه . ومنها : الأمر ، كقوله تعالى :
وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ
( الإسراء : 23 ) أي : أمر ، وبمعنى أعلم كقوله تعالى
وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ
( الإسراء : 4 ) أي أعلمناهم ، وبمعنى فصل في الحكم ، ومنه : يقضي بينهم ، وقضى الحاكم . وبمعنى الفراغ ، انقضى الشيء إذا تم ، وقضى صلاته . وبمعنى أنفذ وأمضى كقوله :
فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ
( طه : 72 ) وبمعنى الخروج من الشيء والانفصال منه ، ومنه : قضى الدين أي خرج وانفصل منه . انتهى مختصرا .
وكل هذه الوجوه تحتمل أن يكون قولهم : قضى القاضي مشتقا منها .
وفي « المحكم » : القضاء : الحكم ، قضى عليه يقضي قضاء .