الأطروحة الثانية :
أن يفسر هذا الحديث بمقدار الخيرات العظيمة التي ينتجها هذا النهر المبارك . . . أما بحمله على الخيرات الزراعية التي تحصل على جانبيه على مر التاريخ ، وقد تحصل في بعض السنين أضعاف ما تحصل في سنوات أخرى . وأما بحمل الخبر على أنه سيستخرج من مياهه النفط المسمى بالذهب الأسود . ولعل هذا أنسب بما يعطيه الحديث من أن الكنز كامن في جوف الفرات أو تحت مائه ، وأنه لا يمكن استخراجه إلا بإزالة الماء بشكل من الأشكال .
ومعه ، يحمل اقتتال الناس على التنافس الاستعماري على منطقة الفرات طمعا بكنوزه من قبل الدول الكبرى المتعددة ، هذا التنافس الذي كلف الكثير من الأموال والنفوس . وأما بقاء الواحد بالمائة من المتحاربين ، فلا بد أنه يحمل على المبالغة في كثرة القتلى لا على التحديد .
الأطروحة الثالثة :
أن يحمل الفرات على معنى الحق أو الدعوة الإلهية ، بقرينة قوله عز من قائل :
« وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ : هذا عَذْبٌ فُراتٌ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ ، وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخاً وَحِجْراً مَحْجُوراً »
« 1 » . مع تفسير الفرات بالحق والأجاج بالباطل . بقرينة ورودها في سياق الحديث عن الدعوة الإلهية ، فيما سبقها من الآيات . قال اللّه تعالى :
« وَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيراً . فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَجاهِدْهُمْ بِهِ جِهاداً كَبِيراً . وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ . . . »
الخ . ويحمل الحجر المحجور على الفاصل الذاتي البرهاني الذي لا يمكن خلطه بين الحق والباطل .
ويكون معنى انحسار الفرات عن الذهب ، اتضاح الحق بمقدار كبير وزيادة مخلصيه ومؤيديه ، في عصر الفتن والانحراف . . . فيتصدى لهم جماعة من المنحرفين والكافرين ، فيقاتلهم المؤمنون دفاعا عن أنفسهم فيكثر القتلى حتى يمكن أن يقال : على وجه المبالغة : أنه لم يبق من الناس المتحاربين ، إلا واحدا من المائة .
ويحمل النهي عن الأخذ من الذهب على لزوم عدم الاعتداء على الحق والمشاركة في الحرب ضده .
هامش
( 1 ) الفرقان : 25 / 53 .