من قائل :
( وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما ، فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ )
« 1 » . وإنما يتحقق البغي فيما إذا كان أحد الطرفين المتحاربين يستهدف هدفا باطلا . ومن ضرورة الشرع والعقل وجوب محاربة الباطل وحرمة نصرته .
الأمر الثاني :
أن يعلم الفرد أن الحق مجانب لكلا الفريقين ، وأن كليهما ينصر مذهبا باطلا ويدافع عن هدف منحرف ، أو - على الأقل - يشك في ذلك ويحتمله احتمالا . وفي مثل ذلك لا يجوز له نصرة أي من الفريقين ، كما هو واضح . فان نصرة أي منهما نصرة للانحراف والضلال ، يقينا أو احتمالا . . . وكلاهما محرم في الإسلام .
ومدلول هذه الروايات ، من حيث وجوب الاعتزال عن كلا الفريقين ، لو حمل على ذلك بالخصوص ، لكان أمرا صحيحا . ولعل هذا هو مراد النبي ( ص ) من قوله : شاركت القوم إذن . يعني في الباطل والانحراف . إلا أن شمول الرواية لصورة الأمر الأول يبقى نافذ المفعول ، وهو أمر غير صحيح .
كما أن الأمر بتحمل القتل لو دخل عليه في بيته ، أمر لا يمكن قبوله ، لأنه مخالف لضرورة العقل والشرع معا في وجوب الدفاع عن النفس ، وفي كون المستسلم للقتل قاتل لنفسه ، في الحقيقة ، فيبوء بإثم نفسه ، لا أن القاتل يبوء بالإثمين معا . ويكون كلاهما مشمولا لقوله تعالى :
( وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها ، وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً )
« 2 » . أما إثم القاتل لمباشرته القتل . وأما المقتول فلأنه سبب إلى قتل نفسه .
وقد يخطر في الذهن : أن الفرد إذا كان أعزل عن الأسلحة تماما ، يكون الدفاع متعذرا عليه . ومعه يكون الأمر بتحمل القتل منطقيا بالنسبة إليه .
وجوابه : أن هذا صحيح بالنسبة إلى الأعزل ، لكنه غير صحيح بالنسبة إلى هذه الروايات ، فإنها واردة في غير العزّل ، تأمرهم أن يكسروا قسيّهم ويقطعوا أوتارهم وأن يضربوا بسيوفهم الحجارة . فإذا تلفت أسلحتهم وجب عليهم تحمل
هامش
( 1 ) المائدة : 5 / 27 - 29 .
( 2 ) النساء : 4 / 93 .