يمثلون الحق صرفا ، وينتمون إلى قسطاط الحق الذي لا كفر فيه ، كما سبق أن سمعنا من الأخبار .
وقد عرفنا أن قانون التمحيص عام للبشرية مرافق لها في عمرها الطويل . وقد نطق به التنزيل . قال اللّه تعالى :
ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ
« 1 » وقال عز وجل :
لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ، وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ
« 2 » .
وقال :
وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ . أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ
« 3 » .
ولكن هذا القانون يكون أشد وآكد إذا اقترن بالإعداد لليوم الموعود ، إعدادا يمكن به حمل التبعة والشعور بالمسؤولية تجاه العالم كله .
ولعلنا نستطيع أن نفهم من قوله تعالى :
وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ
. . كيفية التمحيص وأسلوبه ، وذلك : إن التمحيص ليس للكشف والإظهار فقط أمام الآخرين أو أمام التاريخ ، وأن كان هذا هو جانبه الظاهر المنظور . وإنما يتضمن - في الحقيقة - تغييرا حقيقيا وتأثيرا جوهريا في ذات الفرد يعلمه اللّه تعالى منه بعد وجوده وتحققه .
ويتضح ذلك من بيان مقدمتين :
المقدمة الأولى :
أن للفرد العاقل المختار اتجاهات ووجهات نظر ، وله مواقف وآراء تجاه كل حادثة مما يمر به في حياته . وهو على الدوام يحدد مواقفه فعلا وتركا وآراءه إيجابا وسلبا ، صادرا صدورا تلقائيا عن اتّجاهاته ووجهات نظره العقائدية والعقلية والثقافية . فتتحدد مواقفه بتحديد اتّجاهاته ، وتتغير بتغيرها ، لا محالة ، تجاه كل حادث من حوادث الحياة .
هامش
( 1 ) آل عمران 3 / 179 .
( 2 ) الأنفال 8 / 37 .
( 3 ) آل عمران 3 / 141 - 142 .