يكون المؤرخ قد غير منها شيئا لكونه يميل عقائديا أو عاطفيا مع أحد الأشخاص التاريخيين دون الآخر .
الجهة الثالثة :
عدم التعرض لحوادث المستقبل . وهذا ضروري الوقوع في كل تاريخ ، لأن المستقبل مجهول ، إلا بنحو الحدس أو علم الغيب .
أما الجهتين الأولى والثانية ، فيمكن دفع تأثيرهما والحد من ضررهما ، إلى حد كبير ، لدى المقارنة بين مصادر التواريخ وأقوال المؤرخين ، حتى يحصل للفرد الباحث وثوق وقناعة بحصول الحادثة أو عدم حصولها . وخاصة بعد استيعاب سائر وجهات نظر المؤرخين ومذاهبهم .
وأما الجهة الثالثة : فيستحيل - عادة - ملؤها في التاريخ الاعتيادي للبشر أيا كانوا . . . فيبقى المستقبل المجهول ، فجوة تاريخية شاغرة أمام الناظر يحار في تشخيصها وترتيبها .
وهنا ينفتح وجه الحاجة إلى الروايات التي نحن بصددها ، فإنها تتنبأ عن حوادث المستقبل مروية عمن لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ، وعن خلفائه المعصومين عليهم السلام . . . بطرق متواترة لا يقبل مجموعها التشكيك . . . وإن كانت كل رواية منها ظنية على أي حال ، وقابلة للمناقشة أحيانا . كما سمعنا مثل ذلك في أخبار المشاهدة ، مع فرق مهم هو أن الروايات الواردة في المقام أضعاف روايات المشاهدة ، على ما سنعرف صورة منه في الفصل الآتي .
على أن جملة منها يحتوي على التنبؤ بحوادث قد حدثت فعلا خلال الزمان ، على ما سنعرف ، وقد صدر التنبؤ بها قبل حدوثها بزمن طويل . . . وهو شاهد على صدقها وصدق قائلها وعلى ارتباط القائل باللّه عز وجل بشكل وآخر ، فان كل علم غيب لا بد أن يكون مستقى من علام الغيوب .
ومعه فتكون هذه الروايات ، صالحة لملء الفجوات التاريخية التي أهملها التاريخ ، أو لم يكن موضوعيا تجاهها .