أرانا اللّه تعالى لنا من الصلاح ولشيعتنا المؤمنين في ذلك ، ما دامت دولة الدنيا للفاسقين .
وهذا البعد عن مساكن الظالمين ، لا ينافي أيا من الأطروحتين الرئيسيتين ، وكأن في هذا امتثالا للأمر الذي ذكره المهدي لعلي بن مهزيار عن والده عليه السلام في أنه يسكن أقاصي الأرض وقفارها . وهو في ذلك المكان النائي يمكن أن يكون مختفي الشخص طبقا لأطروحة خفاء الشخص ، أو ظاهر الشخص ، طبقا لأطروحة خفاء العنوان .
وإذا كان مناسبا مع كلا الأطروحتين لم يكن نافيا لأي منهما ، ولا معينا لإحداهما . وإن كان لا يخلو - على كلا الأطروحتين - من بعض المناقشات ، التي لا مجال للدخول في تفاصيلها .
وهذا الصلاح الذي يشير إليه في هذه العبارة ، يمت في الحقيقة إلى أصل الغيبة بصلة ، لا إلى مجرد النأي في المكان ، وإنما أخذ ذلك في السياق استطراقا إلى الإشارة إلى مفهوم الغيبة نفسه . ومعه فالصلاح الذي رآه اللّه تعالى للمهدي وللمؤمنين به ، إنما هو في الغيبة نفسها . وهذا ما سيأتي تفصيله في القسم الثاني من هذا التاريخ .
النقطة الرابعة :
بيانه عليه السلام أنه يعيش على مستوى الأحداث ، يحيط علما بكل الأنباء وتصله جميع الأخبار . حين قال : فأنا نحيط علما بأنبائكم ، ولا يعزب عنا شيء من أخباركم .
وهناك لإمكان اطلاعه على الأخبار ، عدة أطروحات :
الأطروحة الأولى :
أنه عليه السلام يعلم الأخبار ويطلع على أفعال الناس ، عن طريق الالهام الإلهي ، أو الطريق الاعجازي الميتافيزيقي . ويؤيد ذلك ما دل على أن أعمال البشر أجمعين برها وفاجرها تعرض على الإمام في كل يوم وليلة ، ليرى فيها رأيه .
وهو قوله تعالى :
فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ
، وهم الأئمة عليهم