وفي كلام جامع ديوان الشيخ العالم العارف المحقق شرف الدين أبي حفص عمر بن علي السعدي المعروف بابن الفارض المصري نقلا عن الشيخ الإمام برهان الدين إبراهيم ابن عمرو الجعبري ، وهو من تلامذة ابن الفارض المذكور ، وكان معه بمصر وقت احتضاره وانتقاله إلى اللّه تعالى قال : كنت سألت جماعة من الأولياء عن مسألة فلم يجبني أحد منهم عنها ، فسألته - يعني ابن الفارض - فقلت له : يا سيدي هل أحاط أحد باللّه علما ؟ قال : فنظر إلى نظر تعظيم لي وقال : نعم إذا حيطهم يحيطون يا إبراهيم وأنت منهم ، انتهى .
وظاهر هذا حصول العلم بذاته تعالى بوصف من أوصافه على وجه الإحاطة حتى لغيره صلّى اللّه عليه وسلّم من أعاظم الأولياء والصديقين ، وهو مشكل مع قوله سبحانه :
وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً
[ طه : 110 ] ، وقد اختلفوا في فهمه ، فمنهم من قال : إنه محمول على الإحاطة الفرضية التقديرية على ما يأتي نقله عن العارف باللّه سيدي عبد الوهاب الشعراني ، بناء على أن وقوع هذا ممكن لا الوقوعية ؛ لأنه لم يسمع وقوع ذلك لأحد بوجه من الوجوه ، ولا في حال من الأحوال .
ولكن النصوص الشرعية قاضية بالمنع من وقوع هذا وإمكانه مع ما يأتي عن الشيخ الأكبر في « فتوحاته » أنه لم يكن في الإمكان أن يخلق اللّه تعالى فيما خلق قوة في موجود يحيط ذلك الموجود باللّه علما من حيث قيامها به .
وعليه فالأحسن حمله على الإحاطة النسبية المجازية ، وهي المعرفة الكاملة كمالا يليق بحال المخلوق لا الحقيقية ، تعالى اللّه عنها علوّا كبيرا ، فإن الإجماع ممن يعتد به من المتكلمين والفقهاء ، ومعهم جميع العارفين والأولياء ، على أنها لم تقع ولا تقع لأحد مطلقا ، ولو لأشرف الخلق صلّى اللّه عليه وسلّم ، لا في الدنيا ولا في الآخرة ، كما يأتي بسطه إن شاء اللّه تعالى .
وقال بعض الإخوان في مذاكرة وقعت له معنا في هذا : إنه يمكن حمل الإحاطة في كلامه هذا على حصول الشبيه ؛ إذ هي التي يقصدها الصوفية كثيرا في كلامهم دون حضرة التنزيه ؛ لأنه لا علم لأحد بها فضلا عن الإحاطة ، وهو كلام حسن .
وقال النابلسي في شرح هذا الديوان المسمّى ب « كشف السر الغامض في شرح ديوان