فقال له شريك : واللّه ما رؤياك برؤيا إبراهيم الخليل ، ولا كأن معبّرك بيوسف الصديق ، فبالأحلام الكاذبة تضرب أعناق المؤمنين ؟ فاستحى المهدي وقال : أخرج عني . ثم صرفه عن القضاء وأبعده « 1 » . ومرّت مشكلة خلق القرآن عبر التاريخ تتوارثها الأجيال ، واستغل الحنابلة ميول بعض الأمراء إليهم فراحوا يوقعون المكروه بمن يخالفهم ، وقد استمالوا الملك الأشرف فأصبح يعتقد بأن من يخالف عقيدة الحنابلة فهو كافر حلال الدم ، وأصبح هذا الاعتقاد هو الاعتقاد الرسمي « 2 » . وكان العز بن عبد السلام المتوفى سنة 660 ه من العلماء المبرزين ، ومن الدعاة إلى التحرر من نير التقليد الأعمى ، وكان أشعري العقيدة ، فتقدم الحنابلة إلى الملك الأشرف بأن الشيخ العز زائغ العقيدة ، منحرف عمّا صح من العقائد الدينية الصحيحة ، وأن الدين الذي هم عليه هو اعتقاد السلف والإمام أحمد وفضلاء أصحابه ، وعلى هذا الاعتقاد الذي فرضه السلطان يقول الرستمي :
« 3 » وقد امتحن العز بن عبد السلام وغيره ممن يخالف الحنابلة في شيء من الاعتقاد ، وكانت السلطة هي العامل الوحيد في بعث نشاطهم وامتداد حركاتهم ، وبها ينتصرون على خصومهم الذين نبذوا الجمود وآثروا التدبّر والاحتكام إلى القرآن والسنّة ، فالشيخ عز الدين بن عبد السلام إنما كان غرضا لهم لما عرف عنه من أقوال ومواقف ثابتة تغاير ما يدعون إليه - وقد ذكرنا بعض أقواله - والتي نذكر منها قوله : ( ومن العجب العجيب أن الفقهاء المقلدين يقف أحدهم على ضعف مأخذ إمامه بحيث لا يجد لضعفه مدفعا ، وهو مع ذلك يقلده فيه ، ويترك من شهد الكتاب والسنّة