المديني اغتم لذلك حتى مات بعد يسير ، واستغنى البخاري عنه بذلك الكتاب ، وخرج إلى خراسان ، ووضع كتابه الصحيح « 1 » . وبهذا يتضح أنه سلك طريقة ابن المديني وأخذ كتابه واستغنى فيه ، ولا حاجة إلى إطالة القول حول البخاري وصحيحه . فقد أشرنا لذلك في الجزء الأول ، وذكرنا المؤاخذات من قبل المفكرين عليه كانتقادهم عليه 120 حديثا ، وفي الواقع أنها أكثر ، وفي تقطيع الأحاديث وغير ذلك ، وعدة ما في البخاري من الأحاديث بالمكرر 7397 ، سوى المعلقات والمتابعات والموقوفات « 2 » وبغير المكرر من المتون الموصولة 2602 ومن المتون المعلقة المرفوعة التي لم يصلها في موضع آخر منه 159 . وقد تقدم الكلام حول البخاري في الجزء الأول من هذا الكتاب .
صحيح مسلم :
وهو يعد في الدرجة كصحيح البخاري . والناس يختلفون في تقديم صحيح البخاري أو مسلم . وكان مسلم من تلامذة البخاري وشاركه في مشايخه .
ومسلم هو ابن الحجاج القشيري النيسابوري ولد سنة 204 ه - وتوفي سنة 261 ه - ، وكان مخلصا للبخاري ، وحصل بينهما فتور آخر أيامه ، دعاه لأن ينتقد من طريقة البخاري في مقدمة صحيحه .
وقد انتقده الحفاظ بكثرة روايته عن الضعفاء ، وقد طعنوا في مائة وستين رجلا من رواة مسلم .
ومع ذلك فقد فضلوا كتاب مسلم على كتاب البخاري من وجوه :
1 - إن مسلما ألف كتابه في بلده بحضور أصوله في حياة شيوخه ، من أن يتحرز في الألفاظ ، ويتحرى في السياق .
2 - إن مسلما لا يقطع الحديث كما يفعل البخاري ، لأنه يروي جزءا من
هامش
( 1 ) تهذيب التهذيب ج 9 ص 54 .
( 2 ) المعلق من الحديث : ما كان في سنده سقط من أوله . كأن يقول البخاري عن ابن عمر عن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم : كذا . والموقوف : ما انتهى سنده إلى الصحابي فلم يذكر فيه قولا للنبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم ، ولا فعلا ، ولا وصفا ، ولا تقريرا . والمقطوع : ما انتهى سنده إلى من دون الصحابي كالتابعي ، وقد يطلق على المقطوع ( موقوف على فلان ) أي الذي انتهى إليه السند .