وكان أبو حنيفة من جملة الفقهاء المنتصرين لمحمد وإبراهيم كمالك بن أنس والأعمش ومسعر بن كدام وعبادة بن العوام وعمران بن داود القطان وشعبة بن الحجاج وغيرهم ، وكان بعضهم حضر حربه « 1 » وكانوا يعدون شهداء وقعته كشهداء بدر ويسمونها بدر الصغرى ، وقد رأينا المنصور يغض عن مؤاخذة أولئك الفقهاء لأنه بحاجة ماسة لبقائهم والمعاونة معهم ، وبذلك يقصد إيجاد مجموعة منهم لتخفيف خطر انتشار ذكر جعفر بن محمد في الأقطار فقد كان هو الشجى المعترض في حلقه . ومن الحق والإنصاف أن نقول : إن موقف أبي حنيفة ليس كموقف مالك بن أنس ، فإن مالكا لما عوقب لأجل فتواه بالخروج مع محمد أخلص بعد ذلك للمنصور ، وتغير موقفه حتى كان يظهر أن لا فضل لعلي عليه السّلام على غيره من الصحابة ، بل هو كسائر الناس أما أبو حنيفة فلم يتغير موقفه ، وكان يفضل عليا عليه السّلام إما على عثمان فقط أو على جميع الصحابة ، كما لم تتغير وجهة نظره في الدولة وإنها ظالمة لا تصح مؤازرتها . والحاصل أن غضب المنصور على أبي حنيفة قد اختلفت الأقوال فيه ، ومهما تعددت الأسباب فيه فالمرجع كله يعود إلى مخالفة أبي حنيفة لرأي السلطة التي تريد تجريد العلماء من مواهب الإدراك والتفكير ، ومنعهم من حرية الرأي والصراحة بالحق ، وعلى كل فقد مضى أبو حنيفة ضحية فتك المنصور وسطوته . ولا بد لنا قبل نهاية البحث أن نشير إلى اتصال أبي حنيفة برجال مدرسة الشيعة وروايته عنهم وسماعه منهم . ربما يظن أن أبا حنيفة لم يرو عن رجال الشيعة ، ولم يكونوا من شيوخه ، وذلك
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 339
مساهمون: اسد حيدر
ص٣٣٩
هامش
( 1 ) كان خروج محمد بن عبد اللّه النفس الزكية في المدينة سنة 144 ه - وبايعه أهل الحجاز ، قال ابن العماد : وأحبه الناس حبا عظيما لما كان فيه من الكمال وخصال الفضل ، ويشبه النبي في الخلق والخلق ، واسمه واسم أبيه . وبايعه المنصور والسفاح ، وكانا من دعاته أيام بني أمية ، وقتل في المدينة قتله المنصور الدوانيقي ، وخرج أخوه إبراهيم في العراق بعد قتله ، وكاد أن يظفر بالمنصور لكثرة جيشه ومحبة الناس له وتأييد الفقهاء لنهضته ، ودعوه لدخول الكوفة ليلا فقال أخاف أن يستباح الصغير والكبير . وإن حادثة إبراهيم ومحمد لمن أهم الحوادث التاريخية ولم تنل نصيبها من التحقيق والبحث .