بين المد والجزر :
لقد غالى بعض كتّاب المناقب غلوا أخرجهم من الاعتدال في القول والتثبت في النقل ، فتقولوا وافتعلوا ، وذهبوا إلى أبعد حد من المدح والثناء ، وجاءوا بأمور متنوعة في مناقبه وفضائله حتى وضع بعضهم كتابا موضوعا في مناقبه . وللبيان نعطي صورة مختصرة عن تلك الادعاءات الكاذبة وللتفصيل محل آخر . فمن أظرف ما ينقل من كرامات أبي حنيفة قضية الدهري الذي ورد بغداد ليناظر علماء الإسلام أيام الدولة العباسية ، وأنهم عجزوا عن جوابه ولم يبق إلا حماد بن أبي سليمان ، ومعه تلميذه أبو حنيفة ، ولهذه الأسطورة صور في النقل : منها : أن دهريا من الروم ناظر علماء الإسلام فأفحمهم إلا حمادا . ولم يأت أحد بما فيه مقنع ، والإمام إذ ذاك كان صبيا فخاف حماد لأنه لو ألزمه يهون أمر الإسلام . فرأى رؤيا لا حاجة لنا بنقلها « 2 » . فذهب أبو حنيفة مع أستاذه إلى الجامع . وصعد الدهري المنبر . وطلب الخصم ، فحضر أبو حنيفة وهو صبي ، فاستحقره ، فقال أبو حنيفة : دع هذا وهات كلامك ، فتعجب الدهري من جرأته فسأله الدهري بأسئلة فأجاب عنها فقال أبو حنيفة : هذه الأسئلة وأنت على المنبر وأنا أجبت عنها والآن انزل إلى الأرض وأنا أصعد المنبر ، فنزل وصعد أبو حنيفة وقال : إذا كان على المنبر مشبه مثلك أنزله ، وإذا كان على الأرض موحد مثلي رفعه ، « كل يوم هو في شأن » فبهت الدهري وقتلوه .