تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 61

مساهمون:

ص٦١
وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ
الرحمن : 24 ، وقال عنه بأنه حسن ، لأنه يصح على العكس وقلب المشبه بالمشبه به « 12 » . وقد نجد اختلافا قليلا عند الرّماني ، في فهمه للتشبيه ، لأنه اعتمد على القرآن الكريم في استشهاده له . فهو يتحدث عن التشبيه الحسي ، والتشبيه النفسي ، ويقصد بالتشبيه النفسي ، ما كان طرفاه معنويين ، وبالحسي ما كان طرفاه حسيين ، لكنه لم يتعرض للتشبيه الذي يكون أحد طرفيه حسيا والآخر عقليا ، لأنه كان مشغولا في رسالته الصغيرة حول الإعجاز بوضع القواعد الأساسية عن التوغل في الجزئيات الدقيقة . ويربط التشبيه ببقية أجزاء الكلام ، ويركّز على وجه الشبه في إخراج الأغمض إلى الأوضح يقول الرماني : « والتشبيه البليغ إخراج الأغمض إلى الأظهر بأداة تشبيه مع حسن التأليف » « 13 » . فهو يلاحظ ارتباط التشبيه ، ببقية أجزاء الأسلوب ، وهذا رأي له قيمته النقدية ، لأنه يعد بذور فكرة النظم التي بلورها الجرجاني فيما بعد . كما أن الرماني يركّز على وجه الشبه في تحليله للشواهد القرآنية ، ويدرك الدلالة النفسية للتشبيه أحيانا . ففي قوله تعالى :
وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً
النور : 39 يعلق الرماني على التشبيه بقوله : « ولو قيل يحسبه الرائي ماء ثم يظهر أنه خلاف ما قدر لكان بليغا ، وأبلغ منه لفظ القرآن لأن الظمآن أشد حرصا عليه ، وتعلق قلب به » « 14 » . وقد توسّع عبد القاهر الجرجاني في شرح التشبيه فقسمه إلى نوعين : ما يدرك بدون تأويل ، لوضوحه وسهولة إدراكه ، كتشبيه الخد بالورد ، وما يدرك بتأويل كتشبيه الحجة بالشمس ويفرق بين التشبيه والتمثيل ، فيرى أن التمثيل هو ما يدرك بتأويل ، وهو درجات أيضا ، فمنه ما يقرب إدراكه ، ويسهل فهمه مثل حجة كالشمس ، ومنه ما يحتاج إلى التأمل لإدراكه كقولهم ألفاظ كالماء ، ومنه ما يدق ويغمض ويحتاج إلى التفكير لإدراكه لخفائه ، وهو
هامش
( 12 ) الجمان في تشبيهات القرآن : ابن ناقيا البغدادي ص 315 . ( 13 ) النكت في إعجاز القرآن : ص 75 . ( 14 ) المصدر السابق : ص 75 .
وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 61 | عبد السلام احمد الراغب