تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 60

مساهمون:

ص٦٠
كانوا يضعون مقاييسهم النقدية بعيدا عن روح الأسلوب القرآني ، لذلك كانت العناية بالظواهر الحسية ، في الصورة ، والعلاقات العقلية ، والقواعد الصارمة ، التي انتهت إليها البلاغة القديمة . فقد نظر القدماء إلى التشبيه من خلال العلاقة بين المشبه والمشبه به ، والتناسب الظاهري بينهما ، وليس التناسب النفسي ، واشترطوا التمايز بين الطرفين . ورفضوا فكرة التفاعل بينهما ، وحرصوا على وضع الحدود والقواعد بينهما حتى لا يتم هذا الامتزاج أو هذا التفاعل . فقد رأى قدامة بن جعفر أن الشيء لا يشبه غيره من جميع الوجوه إذ لو « تشابها من جميع الوجوه ولم يقع بينهما تغاير البتة ، اتحدا ، فصار الاثنان واحدا » « 7 » ، ويكرر أبو هلال العسكري ، فكرة قدامة هذه لأنه « لو أشبه الشيء الشيء من جميع جهاته لكان هو هو » « 8 » ، لذلك راح القدماء يكرسون جهودهم في البحث عن التناسب المنطقي بين طرفي التشبيه ، والصفات المشتركة بينهما فإذا كان المشبه يشبه المشبه به في أكثر صفاته ، اعتبر هذا التشبيه حسنا وجيدا . يقول ابن سنان : « الأحسن من التشبيه أن يكون أحد الشيئين يشبه الآخر في أكثر صفاته ومعانيه ، وبالضدّ حتى يكون رديء التشبيه ما قلّ مشبهه بالمشبه به » « 9 » . فنظرة القدماء للتشبيه . تركّز على المشابهة بين الطرفين ، والتطابق الخارجي بينهما ، دون البحث عن القيمة النفسية للأشياء كما يقول جابر عصفور « 10 » . حتى إن المطابقة الخارجية بين طرفي التشبيه ، أصبحت معيارا على صدق التشبيه وحسنه ، بحيث لو عكس التشبيه ، ظل التشبيه صحيحا . يقول ابن طباطبا : « فأحسن التشبيهات ما إذا عكس لم ينتقض ، بل يكون كل شبه بصاحبه مثل صاحبه ، ويكون صاحبه مثله مشتبها به صورة ومعنى » « 11 » . وقد طبق ابن ناقيا البغدادي هذا المعيار على التشبيه الوارد في قوله تعالى :
هامش
( 7 ) الصورة الفنية في التراث النقدي والبلاغي : ص 192 عن نقد الشعر لقدامة ص 108 . ( 8 ) كتاب الصناعتين : ص 262 . ( 9 ) سر الفصاحة : ابن سنان الخفاجي ص 237 . ( 10 ) الصورة الفنية في التراث النقدي والبلاغي : ص 193 . ( 11 ) عيار الشعر : ابن طباطبا ص 11 .
وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 60 | عبد السلام احمد الراغب