تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 404

مساهمون:

ص٤٠٤
قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ ، وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنا مِنْهُ خَضِراً ، نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَراكِباً وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ ، وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ انْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذلِكُمْ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
الأنعام : 95 - 99 . والحركة بارزة في كل جزئية من جزئيات هذه المشاهد ، فحركة الحب والنوى وهو يفلق الأرض ، تتبعها حركة أخرى في إخراج الحي من الميت ، وإخراج الميت من الحي ، وهذه حركة حسية في الطبيعة المنظورة ، تثبّت حركة الحياة والموت في الحس والشعور لدى الإنسان ، وتجعلها من البدهيات . ثم تنتقل الحركة من الأرض إلى السماء ، فنلاحظ حركة الليل والنهار ، والشمس والقمر والنجوم ، ثم تنتقل الحركة من الصور الكونية إلى الصورة الإنسانية ، فحركة النسل الممتدة مع وحدة مصدرها « نفس واحدة » ثم تتبعها حركة الماء النازل من السماء ، والنبات الطالع من الأرض ، ثم تنويع الحركة في النبات الطالع ، في النخل والأعناب والزيتون والرمان ، وتتناسق الحركة في النسل مع حركة النبات الطالع بنزول الماء عليه . ثم التنويع في ألوان البشر ، وأشكالهم وهيئاتهم وحجومهم ، يماثله تنويع أيضا في النبات بالألوان والأشكال والأحجام ، والطعوم . فهذا التنويع في الحركة يضفي على الصورة حيوية وتأثيرا ، ويجعلها تمتد إلى داخل النفوس ، فتحرّكها لتأمل هذه المشاهد الطبيعية المتحركة ، التي تدلّ على قدرة الله في الخلق من أصل واحد مع مراعاة التنويع فيه . والحركة قد تكون هادئة بطيئة ، كحركة الليل في قوله تعالى :
وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ
الفجر : 4 ، وقوله أيضا :
يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً
الأعراف : 54 . وقد تكون سريعة خاطفة كقوله تعالى :
وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ
الحج : 31 . فحركة السقوط من السماء سريعة ، تتبعها حركة سريعة خاطفة ملحوظة في حرف العطف الفاء ، ثم حركة أخرى تعقبها بسرعة ، وهي قذف الريح . فهذه الحركات السريعة الخاطفة ، تساعد على رسم المشهد بكل ما فيه من شدة وعنف .