تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 392

مساهمون:

ص٣٩٢
دون المفرد مثل أكواب وألباب ، وأصواف . ولكنه لم يعلّل هذه الظاهرة تعليلا علميا على ضوء الجمال الصوتي للتعبير القرآني « 26 » . وقد حاول مصطفى صادق الرافعي أن يقوم بتحليل هذه الظاهرة الصوتية في التعبير القرآني . فورود كلمة « الألباب » بصيغة الجمع دون كلمة « اللبّ » المفردة « لأن لفظ الباء شديد مجتمع ، ولا يفضي إلى هذه الشدة إلا من اللام الشديدة المسترخية ، فلمّا لم يكن ثمّ فصل بين الحرفين ، يتهيّأ منه هذا الانتقال على نسبة بين الرخاوة والشدة ، تحسن اللفظة مهما كانت حركة الإعراب فيها نصبا أو رفعا أو جرا ، فأسقطها من نظمه بتة على سعة ما بين أوله وآخره ولو حسنت على وجه من تلك الوجوه لجاء بها حسنة رائعة ، وهذا على أن فيه لفظة ( الجبّ ) وهي في وزنها ونطقها ، لولا حسن الائتلاف بين الجيم والباء من هذه الشدّة في الجيم المضمومة » « 27 » . ومثل ذلك لفظة « الكوب » لم تستعمل إلا في صيغة الجمع « أكواب » وعكس ذلك لفظة « الأرض » التي لم تذكر مجموعة في القرآن الكريم . وحين اقتضى السياق القرآني جمعها أخرجها على صورة رائعة معجزة تحقّق الغرض من الجمع بدون ذكر لفظ « الأرضين » وذلك في قوله تعالى :
اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ
الطلاق : 12 ، لأنّ الإيقاع الموسيقى يختلّ ويضطرب بذكر لفظ الجمع « 28 » . وسيد قطب يربط الإيقاع الموسيقى للألفاظ بالحالة النفسية ، أو المعنى المراد تصويره ، فليست حركات الكلمة ، ومدودها ، مجرد إيقاع موسيقي ، يتردّد صداه في التعبير القرآني دون غرض أو فائدة معنوية ، بل إنه يقوم بوظيفة أساسية في جلاء المعنى ، وتوضيحه عبر هذه المؤثرات الصوتية ، ففي قوله تعالى :
وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ
فاطر : 34 . يقول سيد قطب : « فالجو كلّه يسر وراحة ونعيم ، والألفاظ مختارة لتتّسق بجرسها
هامش
( 26 ) الطراز : 3 / 47 - 48 . ( 27 ) إعجاز القرآن : ص 232 . ( 28 ) المصدر السابق : ص 233 .
وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 392 | عبد السلام احمد الراغب