تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 391

مساهمون:

ص٣٩١
وإذا انتقلنا من البناء الشكلي للكلمة إلى مضمونها ، فإنّنا نلاحظ أن هذا التكوين الصوتي طولا وقصرا مرتبط بالمعاني والأغراض المراد تصويرها . فقوله :
سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ
كلمة
سَنَسْتَدْرِجُهُمْ
توحي بجرسها الصوتي الطويل المقاطع بطول غفلتهم وعدم إيمانهم . وفي كلمة
أَ نُلْزِمُكُمُوها
إيحاء بالإكراه والثقل المناسب لمعنى رفضهم الآيات ، وعدم تقبلهم لها ، ونطق الكلمة يرسم هذا الاستكراه للآيات ، واستثقال الكافرين لها . كما هو مستكره ثقيل في جرس اللفظ نفسه . بالإضافة إلى ما في الكلمة من اختزال للمفعولين في لفظ واحد وهما الكفار والآيات . وهكذا يمكن أن نتلمّس المعاني من خلال بناء المفردات المطوّلة ، والمفردات القصيرة ، من حيث تنويع حروفها ، وتنويع صفاتها وحركاتها أيضا . فالمفردات القرآنية مرتبطة بالمعاني الدينية ، لذلك فهي تطول أحيانا وتقصر ، وأحيانا ترقّ وتشفّ ، وأحيانا تشتد وتعنف . كقوله تعالى :
إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ
، فكلمة نهر بجرسها الموسيقى ترسم ظلال اليسر والنعمة والطمأنينة . واللفظ ناعم هادئ ، ملائم لهذه المعاني المرسومة من إيقاعه أيضا في ذلك المكان الآمن الهادئ
عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ
. وقد يشتدّ إيقاع اللفظ ويقوى ، للإيحاء بالمعنى الشديد ، كالتعبير عن يوم القيامة ب « الحاقّة والصاخّة والطامّة وغير ذلك » . وكلّها ألفاظ شديدة الوقع على الأذن ، قوية الجرس ، تناسب أهوال القيامة وشدائدها . وقوة الجرس وشدّته ، ملحوظة في بناء الكلمة المعتمد على حرف ممدود بالألف « حا - صا - طا » ثم إيقاع المدّ على حرف مشدّد ، بعد هذا الارتفاع في حركة المدّ ، فهذا الوقوع على الحرف المشدّد يزيد من شدة الإيقاع وقوته ثم وجود التاء في نهاية اللفظ ، والتي تنطق هاء ساكنة عند الوقف توحي بانتهاء الشدّة عند السكون الملحوظ في نهاية اللفظة « الحاقّة - الصاخّة - الطامّة » . وهذا يعني أن الجرس اللفظي يرتبط أيضا بحركات الحروف ، ومدودها بالإضافة إلى ما ذكرناه حول مخارجها وصفاتها . فمن مجموع هذه العلاقات المتشابكة والمتآزرة في اللفظ الواحد ، ويتألّف الجرس اللفظي ، بالإضافة إلى الجرس الداخلي للكلمة المرتبط بدلالتها على المعنى . وقد انتبه « يحيى العلوي » في كتابه « الطراز » إلى ورود كلمات في القرآن بصيغ الجمع