تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 229

مساهمون:

ص٢٢٩
ولكنّ القرآن يعرض صورة تخييلية ، تقابل الصورة المألوفة ، للفت انتباه الإنسان إلى فضل الله عليه ، وهي صورة الماء الغائر في الأعماق وما يترتب على ذلك ، من هلاك زرع الإنسان وطعامه بل حياته أيضا . وهذه صورة مخيفة ، تعرض في السياق للتهديد والتخويف ، فالله هو الذي جاء بالماء ، وهو القادر على الذهاب به ، ولكنّ رحمة الله بعباده ، جعلت الماء متجمّعا في جوف الأرض للاستفادة منه . ويتضافر التعبير مع التصوير في إبراز هذه الرحمة بالعباد ، فالماء ينزل بقدر من السماء ، ولو أنزل كلّه لحدث الدمار والهلاك للإنسان وزرعه ، ولكن يد الله تمسك بمياه السماء ، فلا تنزل منها إلا بقدر معلوم حتى تتم الحياة والفائدة منها . ولفظ ( بقدر ) يوحي بالتهديد ، ويثير مخيّلة الإنسان لاستحضار صورة إطلاق ماء السماء بلا مقدار لتدمير قوم نوح . وهي صورة مستدعاة من القصص التاريخي ، كي يتم الترابط والتواصل بين الصور القرآنية ، لتحقيق الغرض الديني من التصوير . ويتنوّع تصوير مشاهد المياه ، فماء البحر ، وماء النهر ، يتشابهان من حيث الشكل ، ويختلفان من حيث الطعم وتبرز قدرة الله في تسخيرهما ، وتنويعهما ، وفي حركة السفن الطافية فوقهما ، يقول الله تعالى :
وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ ، لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
فاطر : 12 . ويلاحظ الإلحاح على فكرة التنويع مع أن الأصل واحد ، فماء البحر والنهر ، واحد في الشكل ، ولكنه متنوّع في الطعوم بين حلو ومالح ، والأسماك أيضا متنوعة في أشكالها وألوانها وطعومها مع أن أصلها واحد ، وكذلك الحلي المستخرجة من أعماق البحار . وتلمس الصورة فارقا جوهريا بين البحر والنهر ، يرجع إلى اختلاف كامن في خواصهما ، وتمثّل هذا الاختلاف في الخواص في مشهد منظور للبحر والنهر ، فيصب النهر ، في مياه البحر ، ولكن الماء العذب لا يمتزج بالماء المالح في البحار ، فيبقى الحاجز بينهما ، لا يسمح لأحدهما بالامتزاج بالآخر ، يقول تعالى :
مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ ، بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ ، فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ، يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ ، فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ، وَلَهُ الْجَوارِ