الخلقية مقابلة بالنظام اليوناني المماثل تعسف في القول لم نجد في الواقع ما يبرره خاصة إذا علمنا أن المصدر التشريعي الأساسي للجاهليين كان العرف ، وقد درجت الأعراف الجاهلية على أن الأحكام والأوامر والتعليمات الصادرة عن رؤساء القبائل مطاعة ولها قوة القانون في الالتزام بها والتقيّد بما ورد فيها ، لأن العرف هو القانون الحقيقي للعرب حتى يوم الناس هذا في البادية ، وكل انتهاك له أو مساس به هو انتهاك للنظام العام وسيادة القانون .
نعم ، لم يكن في مكة نظام سياسي معروف كبقية الأقطار الأخرى المجاورة لها ، ولم تكن لها رئاسة سواء أكانت ملكية أو رئاسية أو شعبية ، ولم تكن لها حكومة مركزية منظمة ، ولم يكن لها مقومات الدولة الحديثة لأن كل عشيرة أو قبيلة موكول أمرها إلى رئيسها ، ولكن هؤلاء الرؤساء لا يخرجون عادة عن قرارات « الملإ » التي يصدرونها بتوافق الآراء مهما بعدت شقة الخلاف واتسعت ، ومهما تشعّبت المناقشات وتفرّقت ، وتبقى الغلبة دوما للرأي المشترك الصادر عن الجماعة المعزّز بالعرف الذي لا محيص عنه مطلقا .
وعندما تحدث « وات » عن الحملة الحبشية على مكة علّل قيامها على المصالح التجارية التي انضمت إلى المصالح الدينية التي كانت الذريعة الأولى لها . ولكن المصادر العربية جميعها ترجع هذه الحملة إلى أسباب دينية صرفة لا علاقة لها بالسياسة أو الاقتصاد . وأن أبرهة بعد أن بنى « القلّيس » أمر العرب بالحج إليها فقام نفر منهم فدنسوها وأحدثوا فيها فاستشاط غضبه وعزم على تخريب الكعبة حتى يكره الناس على الحج إلى كنيسته ، ومضى في مشروعه إلى غايته حتى صرف عنه طبقا لما تواتر لدينا من أخبار . ولعل « السيوطي » هو المفسر والمؤرخ الإسلامي الوحيد الذي انفرد برواية مغايرة لبقية المؤرخين والمفسرين المسلمين عندما خالفهم في السبب الذي من أجله قرر « أبرهة » هدم الكعبة ، وفي الشخص الذي سار على رأس هذه الحملة أيضا .
والسيوطي يعزو سبب الغزو إلى اعتداء أناس من مكة على ابن ابنته « أكسوم » عندما كان راجعا من الحج ، وقد وقع عليه ذلك الاعتداء بالقرب من نجران فاستولى المغيرون على حليّه ومتاعه ، وعندما أبلغ جده « أبرهة » بذلك استشاط غضبا ، وجرّد حملة بقيادة « شهر بن معقود » واجتازت الجزيرة حتى وصلت إلى مكة بعد مرورها بالطائف وهناك فاجأها طير الأبابيل فجعلها كعصف مأكول « 1 » .
هامش
( 1 ) السيوطي ، الدر المنثور في التفسير بالمأثور ، ج 6 . ص 394 .