إلى يوم الناس هذا . وقد اكتست المناطق المحيطة بالكعبة بالقدسية فأصبحت أرضا حراما آمنة لا يقطع شجرها ولا تصطاد حيواناتها وطيورها ولا تسفك الدماء فيها . وقد اشتهرت مكة بهذه المكانة السامية منذ القرن الثاني بعد الميلاد حيث ذكرها بطليموس في كتابه « جغرافيا » تحت اسم « مكربه
Macoraba
» منذ ذلك التاريخ . وأطلق عليها القرآن اسم « بكة » في الآية 29 من سورة آل عمران .
ويرى المستشرق الهولندي « دوزي »
Dozy
أن تاريخ مكة يعود إلى أيام « داود » الذي أنشأ في زمانه « الشمعونيون » الكعبة وهم « بنو جرهم » « 1 » .
ورأي دوزي يناقضه رأي مجموعة من المستشرقين على رأسهم « جيبون
Gibbon
» الذين زعموا أن مكة لم تعرف ولم تشتهر إلّا في القرن الأول قبل الميلاد وذلك بناء على رواية « ديودورس الصقلي » الذي أشار إلى ذلك المعبد الشهير الموجود في أرض قبيلة عربية أطلق عليها « بيزومينتي
Bezomenti
» والذي كان محجّا للعرب كافة ، واستنتج هؤلاء المستشرقون أن هذا المكان هو مكة « 2 » بالرغم من خطل هذا الرأي الذي فنده « موسيل » ودحضه السياح الذي زاروا حديثا تلك الأصقاع « 3 » .
ولا نريد في هذا السياق التعرض إلى الروايات العربية حول تأسيس مكة من قدوم إبراهيم صحبة زوجته هاجر وابنه إسماعيل إليها وتركهما هناك فهي معروفة ومتواترة في المصادر الإسلامية . ولكن الذي يهمنا هو سيطرة « جرهم » عليها حينا من الدهر وهم أصهار إسماعيل ثم تغلّب « خزاعة » عليهم وإقامة « عمرو بن لحي » ملكا عليهم . وهي قبيلة قدمت من اليمن . وكان هذا الشخص هو أول من نصب الأوثان وأدخل عبادة الأصنام إلى العرب « 4 » .
هامش
( 1 )Dozy ( R . ) Die Israeliten zu Mekka , S . 15 .ذكره د . جواد علي في كتابه « المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام » المرجع السابق الجزء الرابع ، ص 12 .
( 2 )GIBBON , History of the decline and Fall of the Roman Empire , Cha . 50 . Cussin de perceual , Essai sur L'histoire des Arabes avant L'islamisme , I .وانظر كذلكp . 174 .( 3 ) د . جواد علي ، المرجع السابق ، الجزء الرابع ، ص 10 .
( 4 ) محمد بن عبد اللّه الأزرقي ، أخبار مكة المشرفة ، الجزء الأول ، مكتبة خياط بيروت ، ص 49 . بدون تاريخ .