ولكن مصداقيتهم ليست دليلا على أن هذه الرسائل تأتي حقيقة من ذاك العالم الآخر الذي يدّعون وجوده . والذي يجعلنا ندرك هذه الظاهرة هو مفهوم « اللاوعي » أو « اللا شعور » ويكفي الاطلاع على الكتب والمراجع للتأكد من وجود مئات من الأشخاص يعتقدون بحسن نيّة أنهم يشاهدون ويسمعون مناظر وأصواتا وهم واهمون .
ويدّعون بصدق أنهم لم يشاهدوها أو سبق أن سمعوها . ومع ذلك فإن دراسة موضوعية لحالاتهم تنبئنا بأن ما شاهدوه أو سمعوه قد حصل لهم ذلك فعلا ولكنهم بمرور الزمان تناسوه فأصبح مختزلا في شعورهم .
ومن المحتمل أن يكون محمد قد سمع ورأى كائنات غير عادية وصفها له اليهود والنصارى . وربما يكون قد انقدح في ذهنه كلام كانت عناصره مكوّنة من تجاربه الحقيقة ، وطريقة تفكيره وأحلامه ، وذكريات مناقشاته ، قد تبدّت له مفككة ومركبة ، متحولة ببرهان ويقين وشعور حقيقي تلبسه كشهادة لنشاط خارجي موضوعي لا يفهم كنهه الآخرون « 1 » .
ويرى « رودنسون » أنه من خلال دراسة رسائل محمد الأولى ، ومن خلال الأزمات التي تنتابه إبّان نزول الوحي عليه . ومن خلال الشك ثم اليأس والقنوط الذي ينتابه في بعض اللحظات السوداء التي تمر به ، فإن الأمر لا يركن ولا يطمئن إلى تلك الآراء التي تحلل الرسالة المحمدية باعتبارها خطة مدبرة محسوبة حسابا دقيقا ومعدّة سلفا إعدادا جيدا لتحقيق طموحات فردية أو تطلعات إنسانية . وكل ما قاله المسلمون عن الرسول وإنسانيته واتصاله بعوالم خفية خارجة عن فهمنا الطبيعي يبدو صحيحا ، ومن السهولة بمكان تفسير محمد صادقا أكثر من تفسيره محتالا « 2 » .
ويتساءل « رودنسون » : هل كان محمد صادقا في جميع مراحل دعوته ؟ ويجيب عن هذا التساؤل موضحا أن التصرفات التلقائية ، والآيات المنزلة في المراحل الأولى والمبدئية من دعوته تؤكد ذلك ، إلا أنه بتطور الدعوة وتقدمها رويدا رويدا ، وظهور مشاكل وقضايا جديدة ، والضرورة التي تقتضي من الرسول اتخاذ قرارات يومية في مجال السياسة والتشريع ، ومواجهة المشاكل المستجدة التي لا تنتظر الحلول المتأنية ، والأسئلة الموجهة إليه من قبل أصحابه وأعدائه ، جعلته يتخذ قرارات موزونة ومحسوبة
هامش
( 1 )Ibid , op . cit , p . 104 .( 2 )Ibid , op . cit , p . 104 .