حالة النوم واليقظة ، مسافرا أو مقيما ، راكبا على ناقته أو مختلطا بالناس . بل إن ما يراه ويسمعه يتبدى له كأمور ليست نابعة من داخل ذاته ولكن تبدو له كأشياء حقيقية خارجة عن ذاته فكان يسمعها ويراها دون أن يراها أو يسمعها من كان بحضرته « 1 » . ويقابل رودنسون الحالة التي تنتاب الرسول إبّان نزول الوحي وكيفية تلقيه له بما يحصل لبعض القديسين المسيحيين فهذه « تيريز ذي أفيلا
Therese d'Avila
» تقول في هذا الصدد لمعرّفها وهو يسألها عن كيفية رؤيتها وسماعها لما يوحى لها : « إنها لا تعرف كيف يتم ذلك ، فهي لا ترى وجوها معيّنة ، ولا تستطيع أن تضيف شيئا لما يقال لها ، وكل ما تعرفه أن من يخاطبها هو المسيح وأن ذلك لم يكن وهما . . . أما بالنسبة إلى الكلام الذي تسمعه منه فإنها لا تستطيع سماعه متى شاءت ولكنها تفعل ذلك في اللحظات التي لا تفكر فيها وعند الضرورة » وتضيف قائلة : « لا يرى شيئا باطنا أو ظاهرا ، ولكن بدون أية رؤيا فالروح تفهم كنه الشيء وأي جانب يمثل أكثر وضوحا من الرؤيا العادية . . . فالروح لا تسمع كلاما باطنا أو ظاهرا ولكنها تفهم بوضوح ماهيته وأحيانا معناه . . . ولكن بأية وسيلة وكيف تفهم ذلك ؟ إنها تجهل ذلك ولكن الأمر هكذا » « 2 » .
ويستطرد « رودنسون » في وصف حالة الرسول إبّان نزول الوحي عليه بأنه أخذ يتعوّد رويدا رويدا استقبال الوحي الذي ينزل عليه ، وكان يحاول أحيانا دعوته ، وعندما ينزل عليه يتدثر بدثار على طريقة الكهّان ، وكان في البداية يحاول تحريك لسانه بما يسمع ليستوعبه ، وهذا الاستعمال يؤدي به إلى النطق ببعض الحروف ربما تكون الأصل في الحروف الموجودة في بعض أوائل السور والتي قيل عن سببها عشرات الفروض ، ولكن اللّه خاطبه قائلا :
لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ
« 3 » وخاطبه في مقام آخر بقوله :
فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً
« 4 » وأخيرا يطرح « رودنسون » سؤالا هاما هو : ما مدى صدق محمد فيما يدّعيه . لقد أجبنا عن هذا التساؤل في الجزء الثاني من كتابنا ، وذلك بعد أن عرضنا آراءه بالخصوص في
هامش
( 1 )RODINSON ( M . ) Mahomet , op . cit , p 101 .( 2 )Ibid , op . cit , p . 101 .( 3 ) سورة القيامة ، الآيات : 16 - 18 .
( 4 ) سورة طه ، الآية : 113 .