تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظرات معاصرة في القرآن الكريم — صفحة 75

مساهمون:

ص٧٥
من خلال هذا الاختصار فيما قدمت ، تجد التفاعل الحضاري قائما بين كتاب اللّه وعلم البلاغة العربية الذي هو جزء متسلسل عن القرآن ، ويتعرف الباحث بتأكيد بالغ أن هذا العلم إنما قام ونهض وترعرع - فضلا عن نشوئه - من أجل إثبات بلاغة القرآن ، فكل بلاغة دونها ، وكل بليغ لا يصل إليه ولا يواكب تلاطم أمواجه ، مما يدفع ما وسم به هذا التراث العربي الاسلامي المحض من سمات لا أساس لها ، فلا الأصل اليوناني ينطلق من واقع علمي ، ولا الأثر الأعجمي بحقيقة تأريخية ، بل البلاغة في أصولها وفروعها وتضاعيفها مستندة إلى القرآن في ينابيعه الأولى ، فالعربي على فطرته البدوية الصافية تهزه الكلمة العذبة ، وتطربه العبارة الفصيحة ، وتمتلك نفسه الاستعارة الهادفة ، وتسترعيه الكناية المهذبة ، ويستهويه التشبيه المعبر ، ويقف عند المجاز السيّار ، وكان ذلك من بركات القرآن وجليل آثاره البيانية ، وسبق فنه القولي فنون العرب في الأداء والأسلوب والنظم ورصانة التأليف . لقد بهر العرب بجمال القرآن وروعه ، ونظروا إلى التغيير الجذري الذي أحدثه هذا الوحي الهادر ليس في العادات المفاهيم والتقاليد فحسب ، بل في القول وفنون الكلام والنظم البياني ، فقد نظروا إلى لغتهم وهي تتجه - فجأة - نحو الاستقامة والاستقرار والصعود ، فحدبوا على عطاء هذه اللغة يختزنونه ، وعمدوا إلى مرونتها يستغلونها استغلال يسر وسماح ، فكان هذا المخزون جمالا بلاغيّا لا يبلى ، وكان ذلك الاستغلال موروثا بيانيا لا ينفد ، وما ذاك إلا نتيجة استجلائهم دلالات القرآن الأدبية ، وتغلغلهم بأعماق فنونه البلاغية ، فالقرآن إلى جانب عطائه اللغوي والاسلوبي قد خلص اللغة من فجاجة الوحشي والغريب ، وهذّب طبع ألفاظها من التنافر والتعقيد ، فلم يعد العربي بعد بحاجة إلى إقصاء ذلك واستبعاده ، فكأنه لم يكن ، فقد تكفل القرآن بتذليل الصعاب . العرب اليوم مدعوون إلى تأكيد هذا التلاحم الفاعل بين كتاب اللّه تعالى وبين الفن البلاغي ، وذلك بالكشف عن خبايا هذا الكتاب وكنوزه ، واستكناه وجوه الاعجاز البياني في ظلال آياته ، إذ لا شوائب في لغة القرآن وألفاظه ، ولا معاناة في تحسس جماله العام ، والجهد الكبير المتواصل
نظرات معاصرة في القرآن الكريم — صفحة 75 | محمد حسين علي الصغير