إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ 17 فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ 18
« 1 » ثم نقل من هذا المعنى وأصبح اسما لكلام اللّه تعالى ، ولا نميل إلى ما رجحه بعض المحدثين من أن العرب عرفوا القراءة لا بمعنى التلاوة ، بل أخذوها عن أصل آرامي لذلك ، وكان ذلك كافيا لتعريبه ، واستعمال الاسلام له في تسميته كتابه الكريم « 2 » : بل اللّه سماه بذلك :
إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ 77 فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ 78
« 3 » وعلى ذلك لغة العرب دون أصل أجنبي « 4 » .
وقد سبق في لوح الغيب أن اللغة العربية أشرف اللغات وأنصعها ، فاختارها اللّه تعالى لأشرف كتبه ، حتى أثبتت الدراسات المعاصرة امتياز العربية وأولويتها في سلامتها وفصاحتها وأصالتها ، وهي تنطلق من صحارى الجزيرة ، ومفاوز الحجاز ، مخترقة مناخها الاقليمي ، وبقعتها الجغرافية إلى بقاع العالم ، ضاربة بأطنابها صوب المغرب والمشرق ، مما عجزت عن تحقيقه اللغات الحية ، وقصرت عن تناوله فصائل اللغات السامية ، حتى هجر جملة من علماء الاسلام ألسنة لغاتهم الأصلية ، تمحّضوا للغة القرآن فاحصين وباحثين ، فذاع صيتهم في الآفاق ، واشتهروا باسم العربية .
وكان القرآن الكريم أصل افتتانهم بلغة العرب ، وأسلوبه مصدر حياتهم اللغوية المتنوعة ، فتعددت المعارف ، وتفتحت المدارك ، فكانت الإسهامات الحضارية ، والنقلة الثقافية تغزو المجتمعات والأمم والشعوب والقبائل ، وتحرر العقول والذهنيات والألباب ، قال ابن قتيبة ( ت :
276 ه ) : « إنما يعرف فضل القرآن من كثر نظره ، واتسع علمه ، وفهم مذاهب العرب وافتنانها في الأساليب ، وما خصّ اللّه به لغتها دون جميع اللغات » « 5 » .
وكانت لغة قريش هي الأصل الذي نزل به القرآن على أفصح قريش
هامش
( 1 ) القيامة : 17 - 18 .
( 2 ) صبحي الصالح ، مباحث في علوم القرآن : 12 .
( 3 ) الواقعة : 77 - 78 .
( 4 ) ظ : ابن منظور ، لسان العرب : مادة : قرأ .
( 5 ) ابن قتيبة ، تأويل مشكل القرآن : 11 .