فالعصر الأول من عصور التدوين تمتاز تآليفه بالاقتصار على المتون والأسانيد مع التعليق عليها ببعض الآراء تعليقا مختصرا ، كما ترى ذلك في موطأ مالك رضي الله عنه ، وفي مسند أحمد وفي كتب الحديث الأولى .
وفي العصر الذي يليه التفت المؤلفون والفقهاء إلى تلخيص الأحكام وترتيبها ، وبيان المسائل التطبيقية عليها ، كما ترى في " الأم " للشافعي رضي الله عنه ، وفي " المبسوط " للسّرخسى مثلا .
وجاء بعد ذلك عصر اقتصر فيه المؤلفون على سرد الأحكام والإكثار من التفريعات ، وبيان الشروط والمحترزات ثقة بالمؤلفين ، واعتمادا على جهود الأئمة رضوان الله عليهم .
وجاء بعد ذلك عصر التعليق والتحشية والتقرير ، وهكذا نرى لكل عصر طابعا يمتاز به ، وتلك سنة الله في خلقه . وفي منثور الحكم : " لا تقسروا أولادكم على آدابكم فإنهم خلقوا لزمان غير زمانكم " « 1 » .
2 - أنّ عصرنا هذا هو عصر نهضة في التأليف والعلوم والمعارف ، ومع ما بدأ فيه من توجّه الهمم إلى الترتيب والتهذيب والتسهيل والتعريب ، لم تظفر فيه العلوم الدينية بشيء من همم المؤلفين ، وجهود المصنفين ، فظللنا من الكتب الدينية حيث كنا ، عمادنا كتب من قبلنا ، ولم نخدم نحن عصرنا بشيء ، فلا زلنا إلى الآن عالة على من سبقنا ، ولهذا كانت فائدتنا من العلوم الدينية قليلة ، لأن طريقة تأليف تلك الكتب وترتيبها ووضعها لا يتفق مع طرق الدراسة الحديثة .
ويظهر ذلك جليّا في عدة مواضع ، نذكر بعضها على سبيل المثال :
أ - إذا أردت أن تتعرّف حكم مسألة من مسائل البيع ، وحاولت الوصول إلى ذلك في كتب الفقه الحالية ، فإنك بلا شك تستنفد جهدا عظيما ووقتا كبيرا في الوصول إلى موضعها ، ثم في جمع شتات أحكامها .
ب - بعض أحكام المعاملات الحديثة تخلو منه أمهات كتب الفقه ، فحكم أعمال البنوك والمصارف ، وبيع الكمبيالات ، وما إلى ذلك كلها تتصل بالدين والفقه من حيث
هامش
( 1 ) أثر لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه .