اللغو في الإيمان ، واضحة قوية . وقوله تعالى :
قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أَذىً وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ
( البقرة 263 ) . فاللّه غنى عن هذه الصدقة المتبوعة بالأذى ، وحليم لا يعجل العقوبة ، فربما ارتدع هذا المتصدق المؤذى . وقوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ
( البقرة 155 ) . فالعفو عن هؤلاء الذين استزلهم الشيطان ، يناسبه وصف اللّه بالغفور الحليم أتم مناسبة ، وقد يخفى وجه الوصف بذلك في بعض الآيات ، كما في قوله سبحانه :
تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً
( الإسراء 44 ) . فختم الآية بالحلم والمغفرة عقب تسبيح الأشياء غير ظاهر في بادئ الرأي ، ولكن لما كان كل شئ في السماوات والأرض يسبح بحمد اللّه ، ويشير إليه ، ويدل عليه ، كان من الغفلة التي تستحق العقوبة ألا نفقه دلالة هذه المخلوقات على الخالق ، فناسب ذلك وصفه بالحلم والغفران ، حين لم يعاجل هؤلاء الغافلين بالعقاب .
واقرأ قوله سبحانه :
قالُوا يا شُعَيْبُ أَ صَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ
( هود 87 ) . وصفوه بالحلم أي العقل ، الذي لا يتناسب في زعمهم مع دعوته إياهم إلى ترك عبادة ما كان آباؤهم يعبدون ، ووصفوه بالرشد الذي يتنافى في زعمهم كذلك ، مع دعوته إياهم إلى ترك تصرفهم في أموالهم ، كما كانوا يتصرفون ، فقد ناسبت الفاصلة معنى الآية كما رأيت .
وقوله تعالى :
أَ وَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ أَ فَلا يَسْمَعُونَ ( 26 ) أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ
« 1 »
فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَ فَلا يُبْصِرُونَ
( 27 ) ( السجدة 26 ، 27 ) . ختمت الآية الأولى ب
يَسْمَعُونَ
، لأن الموعظة فيها مسموعة ، وهي أخبار من قبلهم من القرون ، وختمت الثانية ب
يُبْصِرُونَ
؛ لأن الموعظة فيها مرئية من سوق الماء إلى الأرض الجرز ، وإخراج الزرع وأكل النبات « 2 » .
وقوله تعالى :
لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ
( الأنعام 103 ) .
ختمت الآية باللطيف ، وهو يناسب ما لا يدرك بالبصر ، وبالخبير ، وهو يناسب ما يدرك الأبصار « 3 » .
وقد تجتمع فواصل متنوعة ، بعد ما يكاد يتشابه ، لحكمة في هذا التنوع ، ومن
هامش
( 1 ) الأرض التي لا تنبت أو أكل نباتها .
( 2 ) الإتقان ج 2 ص 101 .
( 3 ) المرجع السابق نفسه .