مناسبة للتوبة ، لكن التعبير بالحكمة هنا ، إشارة إلى حكمته سبحانه في مشروعية اللعان ، الذي سن أحكامه ، في هذه السورة « 1 » .
وخذ الآيات التي تنتهى بوصفه تعالى بالعلم ، أو بالقدرة ، أو بالحلم ، أو بالغفران ، تجد المناسبة في ذلك الختم واضحة جلية ، واقرأ قوله تعالى :
وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ
( البقرة 115 ) . فهو يعلم بما يجرى في المشرق والمغرب ، وقوله تعالى :
وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
( البقرة 127 ) . السميع لنجوانا ، والعليم بما تضمره أفئدتنا من الإخلاص لك ، وقوله تعالى :
كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى ( 180 ) الْمُتَّقِينَ فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ
( البقرة 180 ، 181 ) . فهو سميع بما تم من وصية وعليم بمن يبدلها . وقوله تعالى :
وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
( النحل 77 ) . فالمجيء بالساعة في مثل لمح البصر أو أقرب ، يستدعى القدرة الفائقة ، وقوله تعالى :
ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتى وَأَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
( الحج 6 ) . فإحياء الموتى يحتاج كذلك إلى قدرة خارقة ، وقوله تعالى :
وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
- لا ريب - يقدر على كلّ شئ .
وربما خفى الأمر في الختم بأحد هذين الوصفين ، كما في قوله تعالى في سورة البقرة :
هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
( البقرة 29 ) . وفي آل عمران :
قُلْ إِنْ تُخْفُوا ما فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
( آل عمران 29 ) . فإن المتبادر إلى الذهن في آية البقرة الختم بالقدرة ، وفي آية آل عمران الختم بالعلم ، ولكن لما كانت آية البقرة عن خلق الأرض وما فيها ، على حسب مصلحة أهلها ومنافعهم ، وخلق السماوات خلقا مستويا محكما من غير تفاوت ، والخالق على هذا النسق يجب أن يكون عالما بما فعله ، كليّا وجزئيّا ، مجملا ومفصلا ، ناسب ذلك ختمها بصفة العلم ، ولما كانت آية آل عمران مسوقة للوعيد ، وكان التعبير بالعلم فيها ، يراد به الجزاء بالعقاب والثواب ، ناسب ختمها بصفة القدرة القادرة على هذا الجزاء « 2 » .
واقرأ قوله تعالى :
لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ
( البقرة 225 ) . تجد مناسبة الغفران والحلم لعدم المؤاخذة على
هامش
( 1 ) الإتقان ج 2 ص 103 .
( 2 ) المرجع السابق نفسه .