تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من بلاغة القرآن — صفحة 19

مساهمون:

ص١٩
وما قتل الأحرار كالعفو عنهم * ومن لك بالحر الذي يحفظ اليدا
وقيدت نفسي في ذراك محبة * ومن وجد الإحسان قيدا تقيدا
وقوله :
إنما أنفس الأنيس سباع * يتفارسن جهرة واغتيالا
من أطاق التماس شئ غلابا * واقتسارا ، لم يلتمسه سؤالا
كل غاد لحاجة يتمنى * أن يكون الغضنفر الرئبالا
وقديما عدوا حسن إيراد الحجة من البلاغة ، وضربوا لذلك المثل بقوله تعالى :
وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ ( 78 ) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ ( 79 ) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ ( 80 ) أَ وَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ ( 81 ) إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ( 82 ) فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
( 83 ) ( يس 78 - 83 ) . وحينا يثير الأدب فينا الإرادة ، ويدفعنا إلى العمل ، وأظهر ما يتجلى ذلك في الخطابة ، فإنها كثيرا ما ترمى إلى إثارة التفكير المصحوب بالوجدان ، المتبوع بالعمل ، كخطبة عبد اللّه بن طاهر في جنده ، وقد تجهز لقتال الخوارج : « إنكم فئة اللّه ، والمجاهدون عن حقه ، الذابون عن دينه ، الذائدون عن محارمه ، الداعون إلى ما أمر به من الاعتصام بحبله والطاعة لولاة أمره ، الذين جعلهم رعاة الدين ، ونظام المسلمين ، فاستنجزوا موعود اللّه ونصره ، بمجاهدة عدوه ، وأهل معصيته ، الذين أشروا وتمردوا ، وشقوا عصا الطاعة ، وفارقوا الجماعة ، ومرقوا من الدين ، وسعوا في الأرض فسادا ، فإنه يقول تبارك وتعالى :
إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ
( محمد 7 ) . وليكن الصبر معقلكم الذي إليه تلجئون ، وعدتكم التي بها تستظهرون ، فإنه الوزر المنيع الذي دلكم اللّه عليه ، والجنة الحصينة التي أمركم اللّه بلباسها ، غضوا أبصاركم ، وأخفتوا أصواتكم في مصافكم ، وامضوا قدما على بصائركم ، فارغين إلى ذكر اللّه والاستعانة به ، كما أمركم اللّه فإنه يقول :
إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
( الأنفال 45 ) . أيدكم اللّه بعز الصبر ، ووليكم بالحيطة والنصر » . فأنت تراه قد أثار وجدانهم ، بما عرضه عليهم ، من الأفكار ليدفعهم إلى الجهاد . وكما في الآيات القرآنية التي ترمى إلى تحريك الإرادة ، مثل قوله سبحانه وتعالى :
وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ
( فصلت 34 ) .
من بلاغة القرآن — صفحة 19 | احمد احمد بدوي