الآرامية دون أن يظهر عليها شئ من آثار هذا التبديل ، فمثلا كلمة ( قول ) تؤدى بالعبرية معنى - صوت . أما في العربية فلا تطلق إلا على جملة أصوات مجتمعة ، وكذلك ( أمر ) تدل على الكلام العادي ، وتدل في العربية على الطلب بشدة « 1 » .
وقد استطاعت العربية بما تحمل من عناصر الحياة والتطور أن تؤثر - كما تقول روايات المستشرقين أنفسهم - ( في النبط الآراميين ) فكان ذلك من أهم الأسباب التي حملتهم على نسيان لغتهم الآرامية ، وإيجادهم لأنفسهم مزيجا من لغة الآراميين والعرب ، ولم يكن هذا المزيج مفهوما عند العرب فأطلقوا عليه الرطانة النبطية « 2 » .
من هذا العرض السابق أستطيع إن أقول : أن هذه اللغة العربية لغة قديمة تكونت بمرور الزمن ، وعبر التاريخ ، وسارت في طريق التطور بخطى واسعة حتى وصلت إلى ما قبل الإسلام إلى الذروة من التقدم والرقي ، على حين تجمدت اللغات السامية الأخرى ، لتصبح أثرا بعد عين .
ومن المنطق أن أقول : أن لغة احتكت بغيرها من اللغات الأخرى ، فأثرت فيها ، ووصلت إلى هذه الدرجة من التطور لا بدّ أن تكون موردا لغيرها من اللغات الأخرى ، تمدها بما تحتاج إليه من مفرداتها الواسعة ، وبمرور الزمن أصبحت هذه المفردات العربية لبنات في بناء لغات هذه الأمم ، ولا يصح في مجال التفكير السليم أن نقول : إن القرآن الكريم استعارها من هذه اللغات ، إذا قلنا ذلك ، فهذا تحكم لا تسنده إلا هذه الأخبار التي ذكرها الرواة ، وهي أخبار واهية تتعارض مع صريح القرآن الكريم حينما يقول :
إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا
« 3 » .
ومن العجب حقا أن ندعى أن مفردات اللغة العربية التي عاشت هذا العمر الطويل وتطورت هذا التطور الكبير عبر التاريخ ، وعبر الأجبال ، تمثلها هذه المعاجم اللغوية ، أو هذه الروايات التي جمعها لنا رواة العرب حينما بدءوا يدوّنون اللغة .
هامش
( 1 ) تاريخ اللغات السامية 169 .
( 2 ) المرجع نفسه ص 173 .
( 3 ) يوسف : 2 .